بدأ موقع «ويكيليكس» أخيراً، وبصورة تدريجية، في نشر وثائق تتعلق بقطاع المخابرات العالمية الخاص. فما هو هذا المجال بالضبط، وما الذي يحتاج الناس لأن يعرفوه عنه؟
حتى الآن، اقتصرت الوثائق مفتوحة المصدر التي نشرت على مجال «تيكينت»، أو المخابرات التقنية، إذ تحدثت بالتفصيل عن معدات يزعم أنها تبتكر من قبل شركات غربية وتستخدم من قبل الحكومات في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك الأنظمة الدكتاتورية، لمراقبة الأفراد أو الجماعات. وهو تطور جديد لمفهوم قديم قدم الزمن.
ولكن لدي شعور بأن «ويكيليكس» يهيئ نفسه فحسب. فهناك أكثر من ذلك بكثير فيما يتعلق بهذا القطاع. ومن المرجح أن أي شخص عمل في أعلى مستويات الصحافة أو التجارة أو السياسة صادف على الأقل واحداً من الأشخاص الذين يعملون في مجال المخابرات العالمية الخاص، سواء كان يدرك ذلك أم لا. إن أوروبا، التي أقضي فيها الكثير من الوقت، تعج بهم. والمشكلة هي أن معظم الناس لا يعرفون كيف تبدو هذه المخلوقات أو كيف تؤدي عملها.
وحين أقوم، كصحافية، بالاتصال بمصدر ما، وأستهل حديثي بالإشارة إلى أنني أود التحدث معه بصورة غير رسمية حول أمر، وببحثه، فمن الممكن أن تتبع هذا القول محادثة غير مجدية تستغرق ساعة كاملة، يسألني المصدر في نهايتها قائلاً: «فما الذي أردت مناقشته بالضبط؟» فأجيب قائلة: «لا عليك. فقد ناقشنا كل شيء بالفعل». ويقوم الشخص بإنهاء المكالمة دون أن يعرف بالضبط ما هي المعلومات التي كنت أسعى للحصول عليها. وبهذه الطريقة أيضاً يمارس الجواسيس الخاصون، وكالات التجسس الحكومية أو الدبلوماسيون السابقون عادة، عملهم بشكل روتيني.
وبإمكانهم أن يخفوا نواياهــم الحقيقية، فضــلاً عــن وظيفتــهم أو منصبهم. وطريقة العمل هــذه هــي ما يسمى «العــلم المــزيف» في عــالم الاستخــبارات، وما يعرف أيضاً باسم «التستر على العمل» أو «التستر على المكانة». فالواحد منهم قد يقدم نفسه على أنه شخص يعمل في مجال التوظيف، أو خاطب أو وسيط تجاري محتمل، أو صديق جديد، أو حتى زميل لك في حلقة التعليم المستمر التي تحضرها في مركز المجتمع المحلي. ومن الممكن ألا يستخدموا أسماءهم الحقيقية. هل تعتقد أنك لست مهماً بما يكفي لأن تكون مستهدفاً؟ إذا كنت رئيساً تنفيذياً أو مسؤولاً رفيع المستوى، فإنك أصعب من أن تكون هدفاً، وفي تلك الحالة تكون النظير البشري لكوريا الشمالية أو روسيا أو الصين. أما الموظفون والمسؤولون متوسطو المستوى فيشكلون هدفاً مثالياً. أو حتى أصدقاء الهدف، الذين قد يكون مستواهم أقل كثيراً من مستواه.
لصالح من يعمل الجواسيس الخاصون؟ إنهم يقومون عادة بواحد من الأدوار الثلاثة التالية:
قد يتولى هؤلاء الجواسيس جمع المعلومات من مصادر خارجية متعاقدة مع الحكومة أو تحليلها بصورة سرية، أو ما يعرف بـ«العمليات السوداء»، ليتمكن زعماء، مثل الرئيس الأميركي باراك أوباما، من التفاخر بأنه لم يكن هناك أميركي واحد في ساحة المعركة بصورة رسمية، كما فعل في ليبيا. ويمكن لقائد ما أن يشير إلى عدم وجود عملاء من المخابرات المركزية الأميركية في مسرح معين، في حين أن المكان يعج بعملاء مخابرات مركزية سابقين تحولوا إلى عملاء خاصين، أو حتى عملاء حاليين يتصرفون بصفة خاصة في وظيفة ثانية بغطاء غير رسمي. وقد أدى هاجس وسائل الاعلام بشأن جهود الحرب الأميركية وتصويرها بشكل سلبي، جزئياً، إلى ظاهرة الاستعانة بمصادر خارجية في مجال الدعم العسكري. إننا نحصد ما نزرعه.
ويعمــل بعضهم لصــالح المستثمرين الخاصين المتهــورين الذين يسعون إلى القيام باستثمارات تنطوي على مخاطر كبيرة وعائدات مرتفعة في الغرب الجامح والحافل بالأسواق الناشــئة. إذ يكــونون بحاجة الى تحديد أفــراد العصابات أو السياسيين القابلين لأن تتم رشــوتهم. وقــد يحتاجــون إلى التعــرف إلى ماضي الشركاء أو المستثمرين المحليين المحتملين. وفــي مثــل هــذه الحــالات، يعمــد الجواسيس الخاصون إلى الاستفادة من علاقاتهم بالجواسيس الحاليين الآخرين أو السابقين منهم. وقد يكون هذا الأسلوب فظيعاً، غير أنه الأسلوب الذي تتبعه بعض البلدان. ولو بادرت السفارات المحلية علانية إلى عرض خدمات من هذا النوع على المستثمرين لقاء رسوم معقولة، فلن تكون هناك حاجة لأولئك الجواسيس الخاصين.
ويتجسس آخرون على الشركات متعددة الجنسيات نيابة عن شركات منافسة. وتعاني الرأسمالية ومبدأ اللعب النزيه في السوق الحرة من الفساد الشامل بسبب السرقة الصريحة للأسرار التجارية والمعلومات المندرجة تحت المواد الخاضعة لحقوق الملكية الفكرية. وفي حين يعد التجسس لمصلحة وطنية في أوقات الحرب عملاً وطنياً، فإن التجسس لمصالح مالية بحتة نيابة عن شركات معينة ضد شركة منافسة ما يعد احتيالاً. وتعمل دول مثل فرنسا على تدعيم قوانينها من أجل مكافحة أي نشاط من هذا القبيل، ولكن عندما يتم الكشف عن نشاط كهذا، فعادة ما تتم تسوية هذه القضايا من خلال طرد الأشخاص المدانين فيها من العمل، ونادرا ما تتم محاكمتهم جنائياً. ففي نهاية المطاف، من هو المحقق الفيدرالي الذي قد يرغب في إضاعة فرصة مربحة بعد التقاعد من خلال فضح جميع أسرار قطاع التجسس الخاصة؟