على مساحة شاسعة من بر الكويت الصغير نسبياً، تنتصب الخيام إلى حد الأفق، ليقضي الآلاف من المواطنين شهوراً جميلة في ربوع الصحراء، وليعيدوا ذكريات الأيام الخوالي، حينما كانت "الكشته" (وهي الكلمة الدارجة للتنزه) تتم على بعد مئات قليلة من الأمتار من سور الكويت، الذي كان يحيط بالمدينة والذي أزيل قبل أكثر من نصف قرن مع توسع المدينة العمراني.
والعيش في الخيام لأشهر طويلة أو التردد عليها بكثرة خلال تلك الفترة الممتدة بين شهري نوفمبر وإبريل، لا يعني الانقطاع عن المدنية أو امتلاك الخصوصية، فالمخيمات الحديثة مزودة بكل وسائل الراحة؛ من أجهزة تدفئة إلى تلفزيونات مع لواقط لا تترك محطة فضائية إلا وعرضتها. ثم تلك الحمامات ودورات المياه الحديثة، فضلاً عن "البوغيات" وغيرها من منتجات الحضارة.
أما الخصوصية فلا وجود لها في بر الكويت، فإذا كان طلاب النزهات البرية سابقاً ينشدون الخلوة والابتعاد عن حياة المدينة، حيث كانت النساء بالذات ينطلقن ويتحررن من قيود المدينة الثقيلة، فإن مخيمات هذا الزمان لا تجلب إلا الضوضاء، وهي قد حولت صحراء الكويت إلى مخيم بجانب آخر، وكأن تلك الصحراء قد غدت مدينة من الخيام، ترتفع منها الأتربة الناجمة عن عبور السيارات ومن سباقات البوغي والدراجات البخارية وغيرها.
هذا النوع من التخييم كانت له آثار مدمرة على البيئة الصحراوية في الكويت، حيث فقد منها الغطاء النباتي وأصبحت جرداء بفعل "الدوس"، فنادراً ما نرى "الحمض" أو "العرفج"، وهما من نباتات الصحراء الكويتية التي كانت الماعز والجمال تتغذى عليها، ونادراً ما تقع أعيننا على "الحوير" و"النوير" وهما من الورود الجميلة. ومما زاد الطين بلة، السنوات العجاف التي تشهدها الكويت، وربما المنطقة، حيث أمسكت السماء مطرها، أو كادت، فقطراتها القليلة باتت لا تشفي غليل الأرض العطشى، فندرت مراعيها وتفككت تربتها، ليتكرر هبوب العواصف المحملة بالغبار.
لكن إلى جانب خيام التنزه تلك، ستنصب خيام أخرى داخل مدينة الكويت وضواحيها المختلفة، تعلو فيها الخطابات ويرتفع فيها صوت المتحدثين، وتكثر فيها الوعود، فالجميع يستعد هذه الأيام لسماع إذاعة المرسوم بالدعوة إلى انتخابات جديدة لمجلس الأمة، حيث بات تكرار انتخاب مجلس الأمة "موضة" لا تحسد عليها الكويت. وكما لمخيمات التنزه البري "اقتصادها السياسي"، فإن خيام الانتخابات هي الأخرى لها تلك الخاصية، فهي تُشَغّل قطاعاً واسعاً من قطاعات الأعمال، لعل أولها شركات الخيام وما يتبعها من أجهزة الميكروفونات والتدفئة والكراسي والسجاد. وينتعش قطاع الإعلان، إعلانات الشوارع المبنية من الخشب، أو تلك المطبوعة على الورق، أو تلك الإعلانات التي تحتل صفحات كثيرة من جرائد الكويت التي غدت لا تعد ولا تحصى! ناهيك عن إعلانات فضائياتها.
وأهل المطاعم لا يقلون فرحاً بهلال الانتخابات الذي يبزغ على حين غرة، فانتخابات الكويت هي انتخابات "فايف ستارز"، والاقتناع بالشاي والقهوة "وسندويشات الفول والطعمية"، أمر غير وارد عند رواد المخيمات الانتخابية، حيث أصبحت "البوفيهات المفتوحة" القادمة من أرقى الفنادق وطعامها الشهي المعروض على السخانات، هي من المتطلبات الأساسية لأي مرشح جاد في سعيه للفوز بالمقعد النيابي.
هذه هي النشاطات الاقتصادية المكشوفة أو الرسمية، أو لنقل الشرعية، لكن ليست هذه كل الصورة، فمنذ سنوات والجميع يسمع عن "شراء الأصوات"، وعن مبالغ تقدم هنا وهناك. وفي هذه الفترة أيضاً، أي أيام الانتخابات، تستشري "الواسطة" وتقدم الخدمات؛ من إسقاط لمخالفات المرور، إلى التوظيف، إلى العلاج في الخارج، وربما حتى إلى استصدار "كرت زيارة" و"تغيير إقامة".
ومنذ أواخر الستينات رافقت عملية الانتخابات ظاهرة سلبية، وهي الانتخابات الفرعية، والمقصود بها وفقاً للقاموس السياسي الكويتي، تلك التصفيات الانتخابية التي تجريها القبائل لمرشحيها، لاختيار من يحظى بأعلى الأصوات، لتسانده القبيلة في الانتخابات العامة. وقد أدت هذه العملية إلى حرمان القبائل الصغيرة من التمثيل، وإلى إيجاد فجوة بين "الحضر" (الذين لا يعرفون الانتخابات الفرعية) وبين أبناء القبائل. وثمة محاولة جادة في هذه الأيام، لمنع إجراء مثل هذه الانتخابات.
على العموم، لا نعرف ملامح الانتخابات القادمة، إلا إنها ستأتي بعد سنوات عاصفة، وبعد معارك مع "حكومات" الشيخ ناصر المحمد، وهي تأتي أيضاً بعد أن استطاع الضغط الشعبي أن يقيل حكومة قائمة، وهي بالطبع سابقة في الحياة السياسية الكويتية. وهذه الانتخابات تأتي أيضاً في ظل الربيع العربي، وبالتالي فستكون وتيرة الطرح ونغمته عالية. والكل في الكويت يتمنى ألا تنصب هذه الخيام ثانية، إلا بعد أربع سنوات من إجرائها، أي بعد فصل تشريعي كامل، إذ إن الكويت قد تعبت من توالي وتكرار الانتخابات، وكأن قدر أهلها ألا يكون لهم شغل ولا هم إلا الذهاب إلى صناديق الاقتراع!