بدأ موسم انتخابات الرئاسة الأميركية، وبدأت معه مزايدات المرشحين وتسابقهم على إثبات الولاء لإسرائيل. وهي مفارقة جديرة بالتأمل، ففي حدود علمي لا توجد دولة أخرى في العالم ـ غير الولايات المتحدة ـ يتنافس فيها المرشحون لمنصب الرئاسة، عبر إثبات دعمهم لدولة أخرى!
وقد اقترب بالفعل الاقتراع العام في الانتخابات التمهيدية، التي سيختار الأميركيون بموجبها المرشح الجمهوري، الذي سينافس أوباما في نوفمبر 2012. ففي الأسبوع الأول من يناير ستبدأ ذلك الاقتراع في ولاية بعد أخرى، الأمر الذي وجد معه المرشحون الجمهوريون، أن الوقت قد حان لإعلان تأييد إسرائيل. ومن هنا، زار المرشحون الجمهوريون في الأسبوع الماضي منظمة تسمى "ائتلاف اليهود الجمهوريين"، وتسابقوا فيما بينهم على دعم إسرائيل دعما مطلقا، بل وشن حملة شرسة على أوباما تتهمه بأنه معاد لإسرائيل.
واللافت للانتباه، أن المرشحين الجمهوريين أكثر ملكية من الملك. فهم أطلقوا تصريحات واستخدموا مفردات لا تعبر عن موقف أغلبية اليهود داخل أميركا، بل والكثير من الإسرائيليين. فعلى سبيل المثال، قال نيوت غينغريتش ـ الذي يتصدر استطلاعات الرأي هذه الأيام بين خصومه الجمهوريين ـ إن أوباما مسؤول عن توجه عام صار سائدا في الخطاب السياسي، يقوم في جوهره على أن "إسرائيل هي دوما المخطئة، بغض النظر عن فحش موقف الآخرين".
وغينغريتش، بالمناسبة، له سجل واضح من التعصب في دعم إسرائيل، والعداء للعرب والمسلمين. فحين كان رئيسا لمجلس النواب الأميركي في التسعينات، كان وراء إصدار قانون نقل السفارة الأميركية للقدس، الذي وعد في لقاء "ائتلاف اليهود الجمهوريين"، بأن يكون الأمر التنفيذي الأول له إذا تولى الرئاسة، متعلقا بنقل السفارة الأميركية إليها. وغينغريتش أعلن مرات طوال العام الماضي، عداءه الشديد للشريعة الإسلامية التي اعتبرها "الخطر الذي يتهدد أميركا".
والرجل، وهو أستاذ للتاريخ، يستخدم مفردات تحمل دلالات تاريخية مهمة. فهو اتهم أوباما بأنه "يهادن" أعداء إسرائيل، وهو التعبير نفسه الذي صار منذ الحرب العالمية الثانية، مستخدما لوصف مبدأ التفاوض مع العدو كما تم التفاوض مع هتلر، واعتباره المسؤول عن وقوع كارثة الهولوكست.
لكن غينغريتش لم يكن وحده الذي اتهم أوباما بالعداء لإسرائيل. فقد تبنى المرشح ميت رومني هو الآخر، اتهام أوباما بأنه هادن أعداء إسرائيل وقام ـ بسياساته ـ بإلقاء إسرائيل "تحت الحافلة". وانتقد رومني أوباما لأنه زار مصر والسعودية وتركيا ،ولم يزر إسرائيل طوال ثلاث سنوات. وتعهد بأن "لا يسمح مطلقا لإيران بالحصول على السلاح النووي". هذا بينما اتهمت ميشيل باكمان، الرئيس الأميركي بأنه "ينزع الشرعية عن إسرائيل بحديثه عن الاحتلال الذي استمر 60 عاما".
لكن أوباما لم يسكت، حيث بدأ هجومه المضاد فورا. ففي حفل أقامه أحد اليهود الأميركيين في منزله لجمع التبرعات لحملة أوباما الرئاسية، قال أوباما عن نفسه إنه الرئيس الأميركي الأكثر دعما لإسرائيل ممن سبقوه. وهو في هذا الصدد، استند إلى السجل الفعلي لإدارته، التي رفعت مستوى التعاون الاستخباراتي والأمني بين البلدين، وأقامت ما صار يطلق عليه "القبة الحديدية" التي تحمى المدن الإسرائيلية من القنابل والصواريخ، فضلا عن رفض أوباما إعلان دولة فلسطين في الأمم المتحدة. وقد حصل أوباما لحملته الانتخابية، على تبرعات من الحاضرين وصلت إلى 10 آلاف دولار في المتوسط، للفرد الواحد.
والحقيقة أن السباق المحموم لإعلان دعم إسرائيل، ليس فقط سباقا على أصوات اليهود الأمريكيين، وإنما هو أيضا سباق على أصوات اليمين الأصولي المسيحي، وعلى أموال المنظمات اليهودية الكبرى.
فرغم أن اليهود الأمريكيين لا يمثلون سوى 3% تقريبا من عدد السكان، إلا أنهم يتركزون في عدد من الولايات المهمة، مما يجعلهم قوة تصويتية يحسب حسابها. لكن اليهود الأمريكيين ارتبطوا منذ الستينات بالحزب الديمقراطي ـ حزب الأقليات ـ ولم تقل نسبة تصويتهم للمرشح الديمقراطي طوال تلك المدة التاريخية، عن 70% مقابل 30% لمنافسه الجمهوري. وتأييد الديمقراطيين نابع من أولوية قضايا داخلية كثيرة لدى اليهود الأمريكيين، فهم لا يتفقون مع الجمهوريين في رؤيتهم للاقتصاد والبيئة والكثير من القضايا الاجتماعية والثقافية.
أما اليمين المسيحي فهو تيار له اعتباره في أمريكا، حيث يمثل حوالي 25% من القوة التصويتية، ويدعم الكثير من أتباعه إسرائيل، بناء على التفسير الحرفي للكتاب المقدس وما يتعلق فيه بعودة السيد المسيح.
لكن الذي لا يقل أهمية عن كل ذلك، هو المال الذي يلعب دورا محوريا في انتخابات الرئاسة الأميركية. فالمنظمات اليهودية الأميركية، تنفق بسخاء شديد على الحملات الانتخابية، مما يكسبها نفوذا ضخما في المقابل. ولأن اليهود الأميركيين لن يصوتوا في أغلبهم للمرشح الجمهوري، بينما يستحيل على اليمين المسيحي التصويت للمرشح الديمقراطي، فإن السباق الحقيقي بين أوباما والجمهوريين، هو سباق على المال بالدرجة الأولى.
فالمنظمات اليهودية الأميركية الكبرى، وعلى رأسها "اللجنة الأميركية الإسرائيلية للشؤون العامة" المعروفة اختصارا بـ"إيباك"، قد انحرفت في العقود الأربعة الأخيرة كثيرا نحو اليمين، حتى أنها في مواقفها لم تعد تمثل أغلبية اليهود الأمريكيين. فهي صارت في مواقفها أقرب لليكود الأمريكي من موقف اليهود في أمريكا.
لذلك، يسعى أوباما بكل طاقته، للحيلولة دون وقوف تلك المنظمات بأموالها وراء المرشح الجمهوري، الذي سينافسه في الخريف القادم.
معنى كل ذلك، أن عام 2012 لن يكون عاما تصدر فيه إدارة أوباما أية مواقف تستعدي إسرائيل وأنصارها الليكوديين في واشنطن. ومعناه أيضا أن السؤال الأهم سيكون عن رد فعل اليهود الأمريكيين، إذا ما قررت تلك المنظمات دعم مرشح جمهوري يرفضون مواقفه السياسية في قضايا الداخل الأميركي.