ليس أصعب في مقاييس الحصر والحد، من أن تقف أمام قائد عظيم لترصد حدود عطائه، لا سيما إذا كان ممتد الهمة متواصل الهمّ في الشأن العام، منطلق الفكر في ما يرضي الجزء الضئيل من طموحه الكبير. بل تقف طويلاً أمام اختيار الكلمات التي تكاد تساند بعضها بعضاً، لترضي حال رجل حمل بإخلاص مشعل النهوض الحضاري، ليكون رائداً في تفكيره، رائداً في تقديره، رائداً في تطبيقه لأحدث أسس الحضارة، وجعلها خططاً ناضجة تؤتي أكلها في تعاقب الزمان وامتداد المكان.

قبل أيام تسلم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم جائزة "مسيرة عطاء"، من أصحاب الفكر العربي الذين ينظرون إلى منجزات الرجال في عمقها الحضاري وبعدها النهضوي، وملاءمتها لمستجدات العصر وروح الهوية، فكانت الجائزة لسموه تقديراً لإبداعاته في التخطيط الاستراتيجي، وتطوير الموارد البشرية، وتفعيل الأداء الحكومي، وسعي سموه الدؤوب ليجعل من الإمارات مركزاً ثقافياً وحضارياً منفتحاً على العالم، إلى جانب كونها مركزاً مالياً واقتصادياً، وعرفاناً بعطاءات سموه الإنسانية والوطنية، التي طالت كافة الجهات محلياً وخارجياً.

هي حقاً مسيرة عطاء عرفناها في واقع أثمر مجتمعاً متميزاً، يحمل من الحضور العالمي والعربي وزناً كفيلاً بإثبات رسوخ قدمه في سلم التطور العالمي، وينتج من مفاهيم التعايش والتناغم الحضاري، فلسفة رائدة كفيلة بأن تقدم للعالم زاداً يكفيها لأن تعيش بسلام.

 مسيرة نشأنا على ثمار شجرتها التي غرس أصولها المخلصون الأولون، ورعاها سموه بيد أمينة تعرف معنى العطاء، فوضع همّ الوطن نصب عينيه ليصنع منه منارة عالمية، وقد كان، ونصب أمام الباحثين عن تجارب قيادية ومجتمعية وإنسانية ناجحة، آلاف الدلائل على قدرة الإمارات على تقديم نفسها مجتمعاً يتقن لغة الإنسانية وسيلة أولى لتقييم الحضارات وثمرات التطور والنهضة.

تكريم صادف أهله بلا أدنى شك، ورسالة من الفكر وأربابه إلى الحكمة وأهلها، بأن جهود العظماء تستحق التخليد في ذاكرة الإنسانية، ما دامت تنبع من المجتمع وحاجاته وتعود إلى المجتمع ورؤاه.

ولن نغوص في بحر تميز صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، فهي كثيرة ممتدة بقدر تشعب أبواب العطاء في مسيرته العطرة، إلا أننا سنتناول بإسهاب بسيط، فلسفة سموه في تخطيطه الاستراتيجي الذي تبنته الحكومة الاتحادية، لندرك عظمة المنطلقات التي يحملها سموه، حين ننصت له يحمل العزم الصادق على المضي قدماً في إنجاز مشروع النهضة الشامل، متسلحاً بالعزم والتصميم على تحقيق الأهداف، مستلهماً ميراث الآباء، موقناً برؤية مستقبلية طموحة، وبرنامج شامل للعمل الوطني، وخطة استراتيجية للحكومة، معتمداً بعد الله تعالى على سواعد أبناء الوطن وطموحات الشباب، الذين غرس فيهم الثقة والقدرة على العطاء.

والوقوف على الخطة الاستراتيجية التي نظر من خلالها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد إلى المستقبل، يظهر الكم الهائل من بعد النظر فيها، ذلك أن نجاح مثل هذه الخطط يستلزم أن تكون متعددة المحاور ومتكاملة، وهو ما تنبه إليه سموه، فاستندت الخطة في دبي بداية، على محاور الأمن والعدل والصحة والسلامة والبنية التحتية والبيئة الاقتصادية والتجارية والتنمية المستدامة والاجتماعية، ثم نقل سموه التجربة ووسع نطاقها على المستوى الاتحادي، حينما قام سموه بإطلاق الخطة الاستراتيجية للدولة، عبر مجلس الوزراء، ثم تبنت الحكومة الاتحادية رؤية جديدة للعام 2021، تنطلق من أن المواطن أولاً، وتبنت سبعة مبادئ وسبعة ممكنات وسبع أولويات استراتيجية لتحقيق التوازن في كافة الإمارات.

ونظرة سريعة على تلك الأسس والمحاور، تظهر حجم الهاجس الوطني الذي يستند إليه في عطائه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد. فالمبادئ السبعة، باختصار، تمحورت حول تقوية دور الحكومة الاتحادية في وضع التشريعات الفعالة والسياسات المتكاملة، وتعزيز التنسيق والتكامل الفعال بين الحكومة الاتحادية والحكومات المحلية، وتقديم خدمات حكومية متميزة، والاستثمار في بناء القدرات البشرية وتطوير القيادات، وإدارة الموارد الحكومية بكفاءة، وتبني ثقافة التميز، وأخيراً تعزيز الشفافية. أما الأولويّات الاستراتيجية السبع، فتمثلت في مجتمع متلاحم محافظ على هويته.

ونظام تعليمي رفيع المستوى، ونظام صحي بمعايير عالمية، واقتصاد معرفي تنافسي، ومجتمع آمن وقضاء عادل، وبيئة مستدامة وبنية تحتية متكاملة، ومكانة عالمية متميزة، في حين كانت الممكِّنات الاستراتيجية السبع هي موارد بشرية مؤهلة، وخدمات تتمحور حول المتعاملين، وإدارة مالية كفء، وحوكمة مؤسسية رشيدة، وشبكات حكومية تفاعلية، وتشريعات فعالة وسياسات متكاملة، وأخيراً اتصال حكومي مؤثر.

هذا التوجه الأصيل نعرف أبعاده حين نسمع شهادة المفكرين العرب في منتداهم الأخير، بالمكانة العالية لمنجزات سموه، بفضل رؤاه الثاقبة وحسه العروبي الأصيل، وتقديره للثقافة والفكر الذي يصنع النهضة العربية بكل مكوناتها.