في التاسع من ديسمبر 2011، انفجر لغم في سيارة عسكرية تابعة لقوات الأمم المتحدة (اليونيفيل) في جنوب لبنان قرب مدينة صور، فأوقع خمسة جرحى من الجنود الفرنسيين كانوا يستقلون السيارة العسكرية، ومدنيا لبنانيا. على الفور، أدان مجلس الأمن الاعتداء على القوات الدولية، واعتبره عملا إرهابيا يهدد استقرار لبنان وأمنه، لكنه أكد على أن التفجيرات لن تثني القوات الدولية عن أداء مهماتها المنصوص عليها في قرار مجلس الأمن رقم 1701.
بدورها، رفضت فرنسا، وهي المعنية الأولى بضحايا التفجير، وجود ترابط بين الانفجار والدور الذي تقوم به لمعالجة المسألة السورية. وأعلن وزير خارجيتها أن بلاده مصممة على مواصلة التزامها بمهمات القوات الدولية في جنوب لبنان، ولن ترهبها أعمال التفجير. لكنه أعلن مساء: "لدينا من الأسباب القوية ما يدفعنا إلى الاعتقاد أن الاعتداء جاء من سوريا، لأن دمشق تستخدم "حزب الله" في هذا النوع من التفجير".
ثم استدرك قائلا: "ليست لدي أدلة، إلا أن "حزب الله" هو ذراع سوريا المسلحة". وأكد سفير فرنسا في لبنان على أن الكتيبة الفرنسية لن تنسحب من القوات الدولية رغم استهدافها، وطالب السلطات اللبنانيّة بالتحقيق في الحادث ونشر نتائجه لمعرفة الفاعلين.
لم يكن هذا الانفجار الأول ضد قوات الأمم المتحدة ولا ضد القوات الفرنسية، فقد سبقته انفجارات عدة منذ حرب يوليو 2006. ففي 24 يونيو 2007، لقي ستة عناصر من الكتيبة الإسبانية التابعة للقوات الدولية مصرعهم، عندما تعرضت حاملة جند لانفجار في سهل الخيام ـ مرجعيون في جنـوب لبنان. وفي 8 أغسطس 2008 استُهدفت القوات الدولية بعبوة ناسفة قرب صيدا، أدت إلى إصابة جنديين من الكتيبة الإيرلندية.
وفي 27 مايو 2011 استهدفت القوات الدولية بعبوة ناسفة على الطريق الساحلي، أدت إلى سقوط ستة جرحى إيطاليين. وفي 16 يوليو 2011 استهدفت تلك القوات بعبوة ناسفة أدت إلى تضرر سيارة للشرطة. وبعد عشرة أيام استهدفت ملالة للكتيبة الفرنسية بعبوة ناسفة عند المدخل الجنوبي لمدينة صيدا، أوقع خمسة جرحى.
الانفجار الأخير هو الأول قرب مدينة صور، والثاني ضد القوات الفرنسية، والرابع في العام 2011، والسادس منذ حرب يوليو 2006، مما يطرح تساؤلات كثيرة حول الأسباب التي أدت إلى تصاعد الانفجارات مؤخرا، ضد القوات الفرنسية العاملة في جنوب لبنان، ومدى ارتباطها بالموقف الفرنسي المناهض للنظام السوري، علما بأن فرنسا تحتضن المجلس الوطني للمعارضة السورية الداعية إلى إسقاط حكم الرئيس الأسد.
جاءت مواقف القيادات اللبنانية متباينة بصورة واضحة، بين أركان السلطة وأركان المعارضة. فأكد رئيس الجمهورية اللبنانية، العماد ميشال سليمان، في مؤتمر صحافي خلال زيارته إلى أرمينيا، أن العمل الإرهابي الذي استهدف الوحدة الفرنسية في جنوب لبنان، هدفه الضغط على القوات الدولية للانسحاب من لبنان، وبالتالي عودة العمليات الإرهابية إليه، مضيفا أن المجتمع الدولي لن يسمح بعودة الإرهاب، وفرنسا التي بذلت تضحيات كبيرة لحماية السلام في لبنان والعالم، لن ترضخ للضغوط.
وشدد على ضرورة استمرار المساعي لإيجاد حل عادل ودائم لقضية الشرق الأوسط وجوهرها قضية فلسطين، على قاعدة قرارات الشرعية الدولية، وبنود مبادرة السلام العربية، وضمان حق العودة للاجئين الفلسطينيين إلى أرضهم، ورفض كل أشكال التوطين في لبنان.
وأجمعت القوى السياسية اللبنانية المشاركة في السلطة وحلفاؤها، على إدانة الاعتداء ووصفته بالعمل الإرهابي. فهو يهدف إلى ضرب الاستقرار في لبنان، ويستهدف القوات الدولية المكلفة بتنفيذ القرار 1701، ويشكل خدمة كبيرة لإسرائيل. فالتفجير يعرض لبنان لمخاطر كبيرة، وقد يحوله مجددا إلى ساحة صراع لتبادل الرسائل الإقليمية والدولية. فالقوات الدولية دخلت جنوب لبنان بموافقة جميع اللبنانيين، على اختلاف اتجاهاتهم، وهي مؤتمنة على حفظ السلام، وليست ميليشيا مسلحة على الأراضي اللبنانية.
في المقابل، رأت تصريحات قادة المعارضة، أن الانفجار على صلة وثيقة بالأحداث في سوريا. ومنهم من اتهمها مباشرة مع حلفائها في لبنان، بالوقوف وراء التفجير. وأكد رئيس الوزراء السابق سعد الحريري على أن التفجير رسالة سورية، وأن الشعب السوري سيسقط نظامه القمعي عاجلا أم آجلا.
وأكد أحد صقور المعارضة اللبنانية، على أن الاعتداء رسالة سورية واضحة. وأضاف أن: "حزب الله" هو المسؤول الأول عن الأمن في جنوب لبنان، بصفته دولة أمنية ضمن دولة منقوصة السيادة على أراضيها، فلا شيء يحدث في مناطق سيطرته دون موافقته وعلمه. وربط بين التفجير والموقف الفرنسي من سوريا، فالنظام السوري يتهم فرنسا بأنها رأس حربة ضده، وأن "حزب الله" يخشى من التصعيد في سوريا وداخل فلسطين المحتلة.
وقد تزايدت ضربات إسرائيل العسكرية مؤخرا ضد قطاع غزة، وهناك مؤشرات على أن عملية عسكرية إسرائيلية كبيرة باتت وشيكة. وهناك من لم ير مبررا للتفجيرات، طالما أن الدولة اللبنانية متمسكة بالقوات الدولية كجزء من التزاماتها مع الأمم المتحدة، وأن القوات الدولية جاءت إلى لبنان في إطار مهمة سلام دولية، أعدت لتهدئة منطقة الشرق الأوسط. لذا يعتبر الاعتداء على القوات الدولية، بمثابة اعتداء على أمن لبنان واللبنانيين.
نخلص إلى القول إن أعمال التفجير التي تهدف إلى زعزعة استقرار وأمن لبنان، لم تتوقف منذ عقود طويلة. وقد تزايدت حدتها مؤخرا، بالتزامن مع تطور النزاعات الدموية في سوريا. لكن فرنسا، رغم علاقتها السيئة جدا مع سوريا، لم تتسرع في البداية لتوجيه أصابع الاتهام إلى سوريا و"حزب الله"، كما فعلت المعارضة اللبنانية. لكن وزير خارجيتها عاد فتبنى مساء موقف تلك المعارضة، دون أن يقدم أدلة ملموسة تثبت اتهامه.
ختاما، يشدد بعض المحللين على ضرورة اتخاذ موقف عقلاني، يقضي بتوجيه أصابع الاتهام إلى الطرف المستفيد مباشرة من إخراج القوات الدولية من جنوب لبنان. فهذا العمل الإجرامي لا يخدم أي طرف لبناني، في السلطة أو في المعارضة، لكنه يخدم مصلحة إسرائيل بالدرجة الأولى. فهو يعيق القوات الدولية عن القيام بدورها في جنوب لبنان، ويحد من قدرتها على منع الخروقات الإسرائيلية المتكررة يوميا، ويمنعها من تقديم تقارير يومية عن التحضيرات العسكرية التي تقوم بها إسرائيل قرب حدود لبنان الجنوبية، والتي باتت جاهزة لتوجيه ضربة عسكرية ضد لبنان أو غزة. وهي تتحين الفرصة منذ عدة أشهر، لتدمير صواريخ "حزب الله" المكدسة على الأراضي اللبنانية، ولم يعد بمقدورها السكوت على الخطر المحدق بها بعد تزايد الصواريخ، كما ونوعا، على حدوها مع لبنان.