بقي إقليم كردستان العراق هادئاً خلال السنوات المنصرمة منذ سقوط النظام السابق عام 2003، على العكس من بقية مناطق العراق التي شهدت أعمال عنف متفاوتة الشدة، لاقت خلالها القوات الأميركية الكثير من المتاعب وقدمت الكثير من الخسائر، ولحق بالعراق ما يصعب تقدير حجمه من الخراب والدمار.

أسباب عديدة تكمن وراء هدوء الإقليم، أبرزها تمتعه بقدر كبير من الاستقلال عن المركز، وفاعلية مؤسساته الإدارية والأمنية التي بنيت بشكل مستقل عن المركز منذ عام 1991، ولأن الأكراد أقرب مكونات الشعب العراقي للأميركان، والأكثر رغبة ببقائهم في الإقليم، على العكس من مكونات العراق الأخرى التي لم تنظر إلى الوجود الأميركي نظرة ارتياح، على الرغم من أن الكثير من نخبها تقبل العملية السياسية القائمة وانخرط فيها.

ولكن علاقة الولايات المتحدة مع أكراد العراق لا ترقى إلى مستوى التحالف، فقد حرصت الإدارات الأميركية المتعاقبة على إبعاد نفسها عن بناء علاقة كهذه، وعملت طيلة ستينيات وسبعينيات القرن المنصرم التي اشتعلت فيها الحرب بين الأكراد وبين الحكومات العراقية المتعاقبة، على عدم التورط في الاصطفاف مع المطالب الكردية، على الرغم من أن بعض المسؤولين الأميركيين لديهم موقفهم الخاص من ذلك.

والحقيقة أن الحساسيات التي حكمت الموقف الأميركي آنذاك، لا تزال قائمة حتى الآن. فعلى واشنطن أن لا تغضب بغداد، وعليها أن تراعي الموقف التركي، وأن لا تعمل على استفزاز إيران، وعليها أيضاً أن تأخذ بعين الاعتبار علاقاتها مع مختلف الفرقاء، وأن تنظر بموضوعية إلى التوازن الحساس في التركيبة السكانية للمدينة نفسها.

حالة الهدوء والاستقرار التي ينعم بها هذا الإقليم قد لا تدوم طويلاً، فأعمال العنف التي وقعت مؤخراً في الثاني من الشهر الجاري، في قضاء زاخو التابع لمحافظة دهوك، والتي استهدفت فيها الأقليات المسيحية والإيزيدية، وردود الأفعال التي أعقبتها، تعكس وجود بؤر صراع غافية في بعض مناطقه، لا تحتاج لأكثر من شرارة للاندلاع.

كما أن حالة الهدوء والاستقرار هذه، لم تتأت بسبب عدم وجود مشاكل للإقليم مع من يحيط به داخل العراق وخارجه، وإنما لأن موعد حسم هذه المشاكل لم يحن بعد. فالإقليم يواجه الكثير من المشاكل الكبيرة والمعقدة مع هؤلاء، ومع نهاية الشهر الجاري حين تكمل القوات الأميركية انسحابها، يكون موعد حسم إحداها قد حان.

كركوك ستكون أولى محطات الاختبار لمدى قدرة العراقيين على التمسك بلغة الحوار الديمقراطي الهادئ، بعيداً عن قعقعة السلاح، فالغياب الأميركي عن ساحتها سوف يقلل من قدرة واشنطن على التهدئة ومنع اندلاع الصراع حول القضايا التي تتعلق بمستقبل هذه المدينة، التي ساعدت الولايات المتحدة على إنشاء معادلة توازن مؤقتة وحساسة.

وعملت على التدخل حين يعمد أحد أطراف هذه المعادلة، الأكراد والعرب والتركمان والمسيحيون المشاركون في الحكومة المحلية للمدينة، على تخطي حدودها، كما حصل حين أرسل الأكراد قواتهم إلى كركوك في فبراير من العام الحالي.

جوهر قضية كركوك كما هو معروف، هو أن الأكراد يصرون على ضرورة تبعيتها لإقليمهم، في حين يريد العرب والتركمان القاطنون فيها بقاءها محافظة مستقلة تتبع المركز.

قوة الموقف الكردي في قضية كركوك تكمن في الوضع الدستوري لها، فقد نجح الأكراد منذ سقوط النظام السابق، في إدراج آليات تحديد مصيرها في الدستور المؤقت، الذي وضع إبان فترة مجلس الحكم، ثم رحلت إلى الدستور الدائم المعمول به حاليا، تحت المادة 140.

تنفيذ هذه المادة الدستورية قد تعثر أكثر من مرة لصعوبات كثيرة، وقد تدخلت الأمم المتحدة في ذلك، ورحلت الموعد الزمني لتنفيذها أكثر من مرة. والحقيقة أن التلكؤ في تنفيذ فقرات هذه المادة، يعود بالدرجة الرئيسية إلى تحفظ أطراف قوية عراقية عليها، على الرغم من أنها وافقت على قبولها في وقت سابق، تحت ضغط ظروف الإسراع بإقرار الدستور، هذا إضافة إلى أن المحيط الإقليمي الذي يعيش فيه إقليم كردستان لا ينظر إليه بود، ولا يرغب أن يتطور ويتوسع ويقوى إلى أكثر مما هو عليه.

فحكومة بغداد غير راغبة، وربما غير قادرة على تنفيذ المادة 140 من الدستور، خاصة بعد أن تأجل العمل بها منذ سنوات، على الرغم من الطلب المتكرر لإقليم كردستان للبدء في تنفيذها، بحيث أصبح البعض يعتبرها قد فقدت صلاحيتها الدستورية.

دور تركيا في هذه المسألة فيه بعض الغموض، فهي قوة صاعدة في منطقة الشرق الأوسط، لها مصالح متشابكة مع إقليم كردستان وهي شريك تجاري له، خاصة في ما يتعلق بتسويق نفطه وغازه. وهي تعمل على تعزيز نفوذها فيه، خاصة بعد خسارتها لبعض نفوذها في بغداد، حين ساندت ووقفت خلف ائتلاف "العراقية" في تولي رئاسة الوزارة. إلا أنها من جانب آخر، وبشكل متناقض إلى حد ما، تسعى إلى إبقاء الإقليم ضعيفاً، وهي بين الحين والآخر لا تتواني عن بعث رسائل ذات مغزى، بطائراتها ومدفعيتها، وأحياناً بقوات مشاتها ودروعها التي تجتاح أراضي الإقليم.

وللأكراد مع إيران تجربة مرة، فقد بقوا لسنوات طويلة خلال حملهم السلاح ضد حكومة بغداد، أسرى الحاجة للدعم الإيراني الذي استغلته طهران إلى أقصى الحدود لإضعاف العراق، ولم تتوانَ في عام 1975 في طعنهم وتسليم مصائرهم لحكومة بغداد، حين وقع شاه إيران اتفاقية الجزائر مع صدام حسين.

زيارة نائب الرئيس الأميركي بايدن الأخيرة إلى بغداد، وطمأنته القيادات العراقية بأن الولايات المتحدة لن تتخلى عن أصدقائها، لقيت ترحيبا بشكل خاص من قبل رئيس إقليم كردستان. فهذه الزيارة تأتي في وقت بدأت فيه القيادات الكردية تشعر بالقلق، من احتمال تخلي الولايات المتحدة عن حمايتهم وتوفير الدعم الدبلوماسي لطموحهم في الاستقلال في دولة خاصة بهم.

الغياب الأميركي لا يعني الغياب الدولي عن الساحة العراقية، فالممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة سوف يستمر بعمله في العراق، إلا أنه لا يمتلك ما تمتلكه الولايات المتحدة من قدرات سمحت لها طيلة السنوات الماضية، بمنع وصول الخلافات إلى درجة الصراع المسلح، وليس إلى حل هذه الخلافات.