لقد استخلصت كل من روسيا والصين العبرة من التفسير أحادي الجانب لقرار مجلس الأمن بشأن الأزمة الليبية، وقيام حلف شمال الأطلسي بالتدخل العسكري المباشر لإسقاط حكم العقيد القذافي. فرفضت الدولتان صدور أي قرار عن مجلس الأمن يمكن أن يشكل غطاء لتدخل عسكري خارجي ضد سوريا، وقدمتا أدلة قاطعة على أن الغرب لا يهتم بحماية الشعب السوري، بل يسعى إلى تفجير حرب أهلية في سوريا، وبمشاركة فاعلة من تركيا، عبر فرض عقوبات تضر بالمصالح الأساسية للشعب السوري.

يقدم التحالف الغربي كل أشكال الدعم لقوى المعارضة السورية، ومنها قوى عسكرية تستخدم العنف ضد النظام، كما أن فرض عقوبات اقتصادية وسياسية ومالية وعسكرية تطالب بها جامعة الدول العربية وتركيا، وصولاً إلى حظر جوي على سوريا، قد يدخل منطقة الشرق الأوسط في حرب طويلة الأمد تخلف آثاراً مدمرة على الاقتصاد العالمي.

جنّب موقف روسيا والصين، إذاً، منطقة الشرق الأوسط من تكرار النموذج الليبي، وطالبت الدولتان سوريا بإدخال إصلاحات جذرية على مختلف الصعد، ووقف العنف الدموي في الداخل، وفتح مجال التعاون الإيجابي بين السلطة والمعارضة. وحذرتا من أن تجاهل الإصلاحات يمهد الطريق للتحالف الأميركي ـ الأوروبي، لاستخدام مجلس الأمن لتنفيذ أجندات خاصة تضر بالمصالح الحيوية لشعوب الشرق الأوسط، وللدول المدافعة عنها في المنظمات الدولية.

لذلك يرتدي الصراع على سوريا في مجلس الأمن طابعا دوليا، لأن منظمة الأمم المتحدة يمكن أن تلعب دورا بارزا في إعادة هيكلة النظام العالمي الجديد ليكون متعدد الأقطاب. وقد تأكد مؤخرا عجز الأميركيين وحلفائهم عن فرض إرادتهم على مجلس الأمن، واستصدار قرارات تسمح بالتدخل العسكري ضد سوريا، لإسقاط نظامها المتحالف مع إيران وروسيا والصين.

على الجانب العربي، كانت الولايات المتحدة تكيل حتى الآن بمكيالين في منطقة الشرق الأوسط، وذلك لصالح إسرائيل. لكنها تبدو اليوم عاجزة عن مواجهة الفيتو الصيني والروسي، بعد أن استخدمه الأميركيون عشرات المرات لحماية إسرائيل من العقوبات الدولية، ومنعوا الفلسطينيين من الحصول على حقوقهم المشروعة التي ضمنتها لهم الشرعية الدولية. وفي حين تدعي الولايات المتحدة حماية الديمقراطية في العالم العربي، تعارض قبول عضوية دولة فلسطين في الأمم المتحدة، رغم موافقة أكثر من مئة وثلاثين دولة على طلب فلسطين الانضمام للمنظمة.

نخلص إلى القول إن الموقف الموحد لروسيا والصين في مجلس الأمن لحماية سوريا من التدخل العسكري الخارجي، أسس فعلا لمرحلة جديدة في الصراع داخل المنظمات الدولية، وبات مجلس الأمن المكان الأكثر تأثيرا على بنية النظام العالمي الجديد.

فالدول المتضررة من الهيمنة الأميركية على الشرق الأوسط، تدافع عن مصالحها الحيوية المهددة في المنطقة، بعد انكشاف استراتيجية التحالف الأميركي ـ الأوروبي ـ الإسرائيلي للسيطرة على هذه المنطقة الغنية بالثروات.

وبعد ارتباك الموقف الغربي، بجناحيه الأميركي والأوروبي، تراجع التهديد باستخدام المزيد من الحروب في منطقة الشرق الأوسط، وبدأ انسحاب القوى العسكرية الغربية من العراق وأفغانستان. وتحفظ حلف شمال الأطلسي في الإعلان عن خطط عسكرية للسيطرة على سوريا، وتصفية حركات المقاومة المسلحة في لبنان وغزة. وضغط الحلف على إسرائيل لمنعها من من توجيه ضربة عسكرية لإيران، يمكن أن تشعل فتيل حرب طويلة الأمد في منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط.

دلالة ذلك أن التحالف الروسي ـ الصيني، يمهد الطريق مجددا لحلول سلمية في الشرق الأوسط، بعد أن تحدت إسرائيل المنظمة الدولية بإصراراها على بناء المزيد من المستوطنات على الأراضي الفلسطينية. وأوقعت حرب الأميركيين على العراق مئات آلاف القتلى، دون أن تحمل الديمقراطية والحرية إلى الشعب العراقي. وما حصل في العراق تكرر بشكل آخر في ليبيا، حيث دخلت قوات حلف شمال الأطلسي المعركة إلى جانب قوات الثورة الليبية، ولم تنفع مناشدات روسيا والصين بضرورة إيجاد حل يمنع إلحاق المزيد من الدمار بالبنى التحتية الليبية.

 وتوزعت مغانم النفط الليبي فقط على الدول التي ساندت الانتفاضة عسكريا، مما دفع روسيا والصين إلى خوض معركة شرسة في مجلس الأمن، حفاظا على مصالحهما الكبيرة في المنطقة العربية، ولمنع تفرد الغرب بالتحكم في مصير شعوبها.

وفي 25 نوفمبر 2011 أكدت مجموعة دول «بريكس»، التي تضم الصين وروسيا والبرازيل والهند وجنوب إفريقيا، على ضرورة بذل جهود مشتركة لتهدئة التوتر في الشرق الأوسط، ودعم دوله للقيام بالإصلاحات السياسية المطلوبة، وتنفيذ خطط الإعمار الاقتصادي والاجتماعي دون تدخل خارجي. وعززت مجموعة «بريكس» سبل التنسيق مع دول المنطقة، وطالبت باحترام القانون الدولي، وعارضت التدخل الأجنبي المسلح في أي منطقة من العالم، لضمان المصالح المشتركة بين مكونات المجتمع الدولي. ودعت إلى بذل جهود إضافية لحماية الاستقرار فى الشرق الأوسط ومنطقة الخليج العربي، واحترام الأعراف والنظم الأساسية التي تحكم العلاقات الدولية وتضمن سلامة الدبلوماسيين.

وقد باتت المسألة السورية مركز اختبار حقيقي لصراع دولي في مجلس الأمن، لم يعد فيه الغرب قادرا على التفرد بإدارة النظام العالمي الجديد.

ونجح التحالف الروسي الصيني حتى الآن، في منع قوات الناتو من إعلان الحرب على سوريا لإسقاط نظامها بالقوة العسكرية. فلسوريا موقع استراتيجي مهم، وانهيارها يؤدي إلى حرب أهلية مدمرة، قد تهدد منطقة الشرق الاوسط بأكملها. لكن الشعب السوري يحتاج إلى إصلاحات فورية، تنفذ تدريجيا برعاية الأمم المتحدة. ولا يجوز للمنظمة الدولية أن تتخلى عن دورها في إيجاد حلول سلمية للمشكلات الدولية التي تهدد السلام العالمي، وهي مطالبة بتنفيذ بنود ميثاقها التي نصت على إلزام جميع دولها بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى.

ومع ارتباك الموقف الدولي حيال الأزمة السورية، دخلت العولمة مرحلة الصراع الدبلوماسي والاقتصادي على المستوى الدولي، وبات مجلس الأمن يحتل مركزا متقدما في مجال حل المشكلات الدولية العالقة، وفي طليعتها الصراع العربي ـ الإسرائيلي، بالطرق السلمية.

فالحلول العسكرية التي شكلت السمة البارزة في الاستراتيجية الأميركية حتى الآن، لم تحل أيا من مشكلات الشرق الأوسط، بل زادتها حدة، وباتت تهدد أمن المنطقة واستقرارها. لكن هناك تبدلات مرتقبة في النظام العالمي الجديد، تحد من عدوانية القطب الأميركي الواحد، وتؤسس لقيام نظام دولي متعدد الأقطاب.