"سيادة القانون فوق كل اعتبار"، وبالحق والمساواة والعدل تصان الحقوق. وإن الدول التي تُقدِّر دَور القضاة في إقامة العدل بين الناس، وتعتبر العدالة حقًا للجميع، وسيادة القانون فوق كل اعتبار، هي التي تظل وتبقى. لذا تكون مهمة القضاء تحقيق العدالة بين الناس دون خشية أو محاباة، ويكون القاضي مثالا للنزاهة والحيادية والإخلاص في عمله، واضعاً نصب عينيه مخافة الله ـ عزّ وجلّ ـ عند إصدار الأحكام في القضايا المتنازع عليها بين الناس، ومتذكّرًا ألا سلطان عليه إلا الشرف والضمير.

بهذه الكلمات الجامعة المانعة، أكّد صاحب السمو رئيس الدولة ـ حفظه الله ـ غير مرّة، قاعدة متينة وأساسًا راسخًا قام عليه بناء دولتنا الفتية، التي ما كان لها أن تصل إلى ما وصلت إليه دونه. ولأن قياداتنا تنهل من نفس النبع، فقد أكد ذلك صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، حين قال: "القضاء والقانون فوق الجميع"، خلال أداء القضاة اليمين بمناسبة التحاقهم بمحاكم دبي، ليعبّر عن قيمة كبيرة وقاعدة عظمى من قواعد قوة الأمم، الراغبة في الاستناد إلى مرجعية تحفظ لها مكتسباتها، وتدفع بها لولوج ساحات التقدم والرفاهية ومواجهة التحديات مهما كان شططها وقسوتها.

وفي دولتنا البهية، التي يحتمي بظلها أكثر من مئتين وخمسين جنسية من كل فجاج الأرض، لا يستطيع أي منصف إلا أن يقر بأن كل من يعيش على أرض هذه الدولة المعطاء، لا يستشعر أي تمييز بينه وبين أصحاب الأرض، ليس أمام القضاء وحسب، بل في كافة مناحي الحياة، وفي مختلف مؤسسات الدولة، وأن حقه محفوظ وماله وأمنه. وهذا هو سر نهضتنا التي جعلت من بلادنا قبلة المبدعين في شتى الميادين، ووقود قوتنا الناعمة التي تفوق في جوهرها قوة السلاح والبارود.

إن المساواة أمام القضاء هي الوجه الآخر للحرية، وهي قرينتها، بل هي جوهر تطبيق الحرية، كما أن المساواة بين الأفراد هي العنوان الحضاري للأمم العظيمة. لذا فإذا أردت استجلاء مدى تمتع مواطني أية دولة بـ"الديمقراطية" الحقيقية، فإن أهم أركانها تعظيم مبدأ المساواة أمام القضاء، بل إنه الركن الأصيل فيها، لأنه المتعلق بضبط إيقاع الحياة، فضلا عن حفظ النفس والحق والعرض، وهي مرتكزات غير قابلة للتبديل أو التغيير في الحضارات الإنسانية على وجه العموم ومجتمعاتنا العربية بصفة خاصة، ودونه لا معنى حقيقيّا للديمقراطية، ولا قيمة يعتد بها للحرية.

إن انعدام المساواة وصياغة القوانين التي لها وجهان، أحدهما يطبق على أصحاب الحظوة والآخر يطبق على عامة الشعب، هو الباب الواسع الذي انهارت منه أعظم الحضارات، وخارت بسببه القوى العظمى، واستشرى الفساد في أوصالها. كذلك فإن تحقيق العدالة للجميع والتمتع بالحقوق على قدم المساواة، هو الدافع للإبداع والابتكار، وهو الأمن الذي من بات فيه حاز الدنيا وما فيها.

والشاهد في حضارتنا الإسلامية، أن قريشا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله. فكلمه أسامة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أتشفع في حد من حدود الله"، ثم قام فخطب فقال: "يا أيها الناس إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد. وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها".

وهو ما أكده الرسول الكريم في المشهد الأخير في خطبة حجة الوداع، حين قال: "أيها الناس إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، وإن أكرمكم عند الله أتقاكم، لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي إلا بالتقوى". وهو درس التاريخ الذي وعته الشعوب والمخلصون من قادتها.

إن مبدأ المساواة أمام القضاء هو أحد أهم أركان دولة القانون، وهو لا يحتاج وحسب إلى نصوص مدونة، بل يحتاج معها إلى إرادة سياسية تصون النصوص وتحفظها، وتضمن لها التنفيذ والتطبيق؛ فقيمة النص القانوني تعلو عندما يتحول إلى واقع يعيش الناس آثاره، لا يفرق في ذلك بين غني وفقير ومسؤول وغير مسؤول، فالكل أمام سلطانه سواء، فلا حصانة لأحد أمام القانون. فالحرية مصانة، إلا أن من الضروري أن تقترن بها عفة اللسان النابعة من ثقافتنا وديننا، فليس معنى الحرية الانفلات وانعدام الضوابط. والله عز وجل يقول: {لا يُحِبُّ اللهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ} (النساء/148).

كما أن خصوصيتنا الثقافية والحضارية تضيف للنصوص القانونية بعدا آخر، وهو السياج الأخلاقي الذي يؤطّر النصوص ويهذب السلوك، كما قال الرسول الكريم: "من قضيت له بحق أخيه شيئا فإنما أقطع له قطعة من النار فلا يأخذها".

كذلك فإنّ من سمات ثقافتنا أننا لسنا عبادا لنصوص القانون، ولكن "العفو عن المقدرة" هو من أساس ثقافتنا، التي تجعل الإجماع المجتمعي وما تعارف عليه أبناؤه يكتسب قوة لا تقل في فاعليتها عن القانون، بل وتضيف إليه بعدا آخر وهو البعد الإنساني أو الروح التي تدب فيه، وهو ما تفتقده أمم كثيرة، وهو السلوك نفسه الذي يكرس ثقافة التسامح والعفو بين نسيج المجتمع الواحد ويزيده متانة؛ لأن الخطأ جزء من التركيبة البشرية.

ومن أسماء الله الحسنى الله "العفُو" الذي نستلهم منه الكثير من سلوكياتنا في دنيا الناس. إن العدل هو الضمانة الحقيقية لاستقرار الحضارات، وما كان العدل في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه. لذا قال السابقون من حكماء الأمة؛ إن دولة الظلم ساعة ودولة العدل إلى قيام الساعة.