عاشت الإمارات منذ بداية شهر نوفمبر الماضي، أجواء احتفالية غير عادية، لم يكن اللافت فيها مظاهر الفرح قدر ما كانت الروح التي سادت هذه الأجواء هي اللافتة للنظر، فالتعبير عن الفرح يأخذ أشكالاً مختلفة ومتباينة، لكن الإحساس بالفرح ثابت وراسخ في نفوس أبناء الإمارات، الذين احتفلوا بمرور أربعين عاماً على اتحادهم وانصهارهم في كيان واحد، يزداد كل يوم رسوخاً وقوة.

في المحاضرة التي ألقاها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، الأسبوع الماضي، كان لافتاً للنظر أن الغالبية العظمى من الحضور كانت من شباب الوطن وشاباته، الذين توافدوا على قاعة "راشد" في مركز دبي التجاري العالمي قبل موعد المحاضرة بثلاث ساعات، الأمر الذي يدل على أنهم قد جاؤوا للاستماع إلى حديث يعرفون أنه صادر من قلب قائد من قادة هذا الوطن، موجّهٍ لقلوبهم المتعطشة لسماع حديث القلب إلى القلب.

 وفي تلك المحاضرة كان لافتاً للنظر أيضاً، أن جُلَّ حديث صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد كان موجهاً إلى هذه الفئة، التي يعتقد سموه أنها المستقبل الذي يجب توجيه الحديث إليه والاستثمار فيه، لذلك كان التناغم واضحاً بين قلب صاحب الحديث وقلوب الذين استقبلوه باهتمام بالغ، وأصغوا إليه بحب عميق، واستوعبوه بفهم كبير.

تعودنا في الخطابات المنبرية التي شاهدناها على مدى سنين عمرنا، وتلك التي قرأنا عنها في كتب التاريخ التي درسناها منذ نعومة أظافرنا، أن نرى القادة يتحدثون إلى شعوبهم من فوق منصات عالية، يحيط بهم الحرس والجنود المدججون بالسلاح، وربما تحدثوا إليهم من خلف أسوار منيعة لا يكاد السامعون يتبينون أشكال محدِّثيهم المختبئة وراءها، لكن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم كسر هذه القاعدة، فكان اللافت في المحاضرة التي حملت اسم "روح الاتحاد"، أن سموه جعل المنصة المنصوبة في صدر القاعة خلفه، رغم أنها لم تكن عالية ذلك العلو الذي نتحدث عنه، وجعل منصته الأرض التي احتشد فيها هذا الجمهور الكبير، وظل سموه ينتقل من أقصى يمين القاعة إلى أقصى شمالها، ويدخل بين صفوف المستمعين إليه، في دلالة واضحة على التلاحم الكبير بين القيادة والشعب.

تعوّدنا حين نكتب التاريخ أن نبرز الجوانب المضيئة منه، ونلقي بستار على الجوانب المظلمة أو الأقل توهجاً من هذا التاريخ، لكن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، كان صريحاً وشفافاً وهو يتحدث عن تفاصيل بعض الأحداث التي لم يعشها جيل الاتحاد الشاب، فاعترف بأن طريق الاتحاد لم يكن كله مفروشاً بالورود، وأن هذا الاتحاد لم يتم بسهولة، بل تعثر أكثر من مرة، وكان على حافة الهاوية، لكنّ إرادة المغفور لهما، بإذن الله تعالى، زايد وراشد، كانت أقوى من كل التحديات.

وبلغت صراحة سموه أن اعترف بأنه قد تسرع في بعض المواقف، لكن هذا التسرع كان بدافع الحرص على تنفيذ تعليمات المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد، عندما تعرض كيان الدولة للخطر بعد فترة وجيزة من قيام الاتحاد.

كانت محاضرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم درساً مفيداً وعميقاً، استمع إليه طلاب وطالبات الجامعات والكليات الذين شكلوا أكثر من 80% من الحضور، وتفاعلوا معه، بصفته مشاركاً في صنع الاتحاد وشاهداً عليه، وناقلًا أميناً لما عايشه وشاهده من إرهاصات قيام الاتحاد، ثم ما واجهه بعد ذلك من أحداث، كان بعضها أليماً، ومن صعاب كان بعضها كبيراً.

لم تكن ولادة الاتحاد، كما سمعنا من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، سهلة في ظل الظروف التي كانت تمر بها المنطقة، وفي ظل التجاذبات التي لم تسلم منها الاجتماعات والمباحثات التي سبقت هذه الولادة، لكن إرادة المؤسسين الأوائل، وفي مقدمتهم زايد وراشد، طيب الله ثراهما، كانت كفيلة بتذليل كل المصاعب، وكان للعلاقة التي ربطت بينهما، والتفاهم العميق الذي ساد حواراتهما دور كبير في تجاوز كل العقبات التي سبقت إعلان الاتحاد الذي ولد لبيقى ويستمر، وظل محافظاً على بقائه، بل ازداد رسوخاً وقوة، ليضفي على الأجواء التي نعيشها اليوم، بعد أربعين عاماً من قيامه، كل هذا الألق والفرح ويزيدها توهجاً.

قبل أكثر من أربعين عاماً، جلس المغفور لهما بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، على تلة في منطقة "السديرة" على الحدود بين أبوظبي ودبي، يخططان لهذا الاتحاد، وخرجا في الثامن عشر من شهر فبراير عام 1968 بالاتفاق الشهير، الذي كان نواة لقيام دولة الإمارات العربية المتحدة.

وبعد أكثر من أربعين عاماً على تلك الجلسة الشهيرة، التي استمعنا إلى تفاصيلها الدقيقة في محاضرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، يقف "برج خليفة" في دبي اليوم كأعلى بناء شيده الإنسان وأطول برج في العالم، مطلاً على ذلك الطريق الذي اجتمع الراحلان على تلك الربوة القريبة منه، وشاهدا على عظمة الإنجاز الذي حققه أبناء زايد وراشد ورفاقهم المؤسسين، طيب الله ثراهم، ليس بالمال وحده، كما قال سموه، وإنما بالإرادة القوية، والعزيمة الصادقة، والنيات الطيبة، والعمل الدؤوب..

فالمال وحده لا يصنع المعجزات، وما حدث على أرض الإمارات، خلال الأعوام الأربعين الماضية، معجزة خارقة بكل المقاييس، ما كان لها أن تتحق لولا "روح الاتحاد" التي كشف لنا صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في محاضرته، الكثير من أسرارها، وجلا لنا الكثير من خفاياها، لتبقى مظللة هذه المسيرة المباركة التي تزداد كل عام توهجاً وألَقاً.