زاد معدل الإنفاق العام في الولايات المتحدة نسبة إلى الناتج الإجمالي، من 18.2% عام 2000 إلى 25.3% عام 2011. لم تحدث هذه الزيادة لصالح دعم برامج تنموية أو الارتقاء بخدمات مجتمعية مهمة، كالتعليم والبحث العلمي والصحة والتأمينات الصحية وإعانات البطالة...، ولكنها جرت أساسا على خلفية تمويل المؤسسة العسكرية وحربي أفغانستان والعراق.

كل مناحي الحياة الاجتماعية وأنشطة المال والأعمال الأميركية، تأثرت سلبا برياح الأزمة الاقتصادية الآخذة في الصعود والهبوط منذ العام 2008، في الوقت الذي انتعشت فيه أحوال المؤسسة العسكرية، بحيث ارتفعت حصتها من الناتج القومي من 3% عام 2001 إلى 5.1% عام 2011. ولا يخفي المسؤولون الأميركيون سبب هذا الاستثناء، وهو "تمويل الحروب القائمة ورفع مستوى استعداد الجيش وجهوزيته لحروب محتملة أخرى، ورعاية زهاء 90 قاعدة وبؤرة تواجد عسكري أميركي حول العالم..".

هذا يعني أن الجيش يحظى بوضعية القطاع الأولى بالرعاية، وبحصانة خاصة في هيكل الإنفاق العام الأميركي. وكان من التداعيات الخارجية لهذا الامتياز الداخلي لهذه المؤسسة، أن باتت الولايات المتحدة تنفق وحدها نحو 47% مما تخصصه دول العالم مجتمعة للإنفاق على العسكرة والتسلح (768 من 1630 مليار دولار).. ومع ذلك تبدي الحكومات الأميركية، سواء بزعامة الجمهوريين أو الديمقراطيين، درجة عالية من المكابرة، إلى حد التبلد، إزاء الاعتراف بأن عدم التوازن في الإنفاق العام، والانحياز إلى مكونات القوة العسكرية، أدى إلى وضع اقتصادي يتردى بين يدي الدولة بوتيرة ملحوظة.. علما بأن مثل هذه الحقيقة، سبق أن ساهمت تاريخيا في انحدار إمبراطوريات كانت ملء السمع والبصر.

بكلمات أخرى؛ تريد النخب الأميركية الحاكمة أن تحقق المعادلة شبه المستحيلة؛ التفوق العسكري الكاسح في مواجهة كل خلق الله من الدول، القائم على بنية اقتصادية تتآكل وتتعرى أعصابها بشكل حثيث.

أحد أبرز المؤشرات الصارخة على هذه المفارقة، يتعلق بعدد الذين يقعون تباعا في حبائل الفقر في هذه الدولة المسلحة حتى الأسنان. فالإحصاءات الرسمية الأميركية، تؤكد أن زهاء 38 مليون مواطن أميركي هم حاليا من الفقراء، بزيادة قدرها 5 ملايين مقارنة بالعام 2005، وأن نحو 47 مليون أميركي يفتقرون لخدمات التأمين الصحي، بزيادة 8.5 ملايين عن الرقم المسجل عام 2000.

توضح التفصيلات أن مقياس الفقر هناك، هو أن يقل دخل الأسرة المكونة من أربعة أفراد عن 21 ألف دولار سنويا، ويعتبر الفرد الواحد فقيرا يحتاج إلى العون والصدقة، إذا ما قل دخله السنوي عن 10 آلاف دولار. وطبقا لذلك فإن شريحة الأطفال تعد الأكثر فقرا قياسا بالفئات العمرية الأخرى، ذلك أن 20% ممن هم دون السادسة ينتمون إلى حوزة الفقراء. وعلى الصعيد الإقليمى فإن الجنوب، ولا سيما ولاية مسيسبي، هو الأكثر فقرا من بين كافة المناطق والأقاليم الأميركية، بمعدل يراوح حول 30% من السكان، مقابل المعدل العام للفقر في الدولة البالغ نحو 12.6%.

ويعد اللون والأصل العرقي ونوعية العمل، من المعالم التي يمكن اعتمادها للتمييز بين الفقراء وسواهم.. فنسبة الملونين الفقراء أكبر بكثير منها لدى ذوى البشرة البيضاء، كما ينتشر الفقر بين فئة العمال بصورة كبيرة، مقارنة بأصحاب المهن الأخرى.

ارتفاع معدلات الفقر بالتوازي مع زيادة منسوب الإنفاق العسكري في أية دولة، من الدلائل القوية على وجود خلل في صناعة السياسة والحكم وتوزيع الموارد.. وتبدو هذه الحقائق مثيرة للحيرة والجدل، إذا ما تفشت في دولة كالولايات المتحدة، لا يتعرض كيانها لأخطار شديدة الإلحاح، ولا هي تخوض حروبا دفاعية مفروضة عليها كرها.

المثير أكثر، أنه بعد كل هذا الإنفاق المفرط بلا حدود على العسكرة في الداخل والانتشار العسكري في جهات الدنيا الأربع، فإن أحدا لا يسعه الادعاء بأن الأميركيين هم أكثر أمنا واطمئنانا مقارنة بمواطني دول تنفق دون ذلك بكثير. مثلا، من يجرؤ على القول بأن المواطن الأميركي يعيش في بحبوحة أمنية تفوق نظيره في الصين، التي لا تنفق سوى سدس ما تخصصه الولايات المتحدة في هذا المجال؟!

وعلى سبيل الاستطراد المفيد، فإن حجم الزيادة في الإنفاق العسكري الأميركي قياسا بمثيله في الصين (التي تخصص 120 مليار دولار سنويا للدفاع)، يصل إلى نحو 550 مليار دولار.. وهو مبلغ خيالى؛ لو وزع على فقراء الولايات المتحدة لكان نصيب الواحد منهم زهاء 14.5 ألف دولار، وهذا كفيل بتخطيهم فرادى ومجتمعين دائرة الفقر اللعينة.

تقديرنا أن فقراء الدولة الأعظم في عالمنا الراهن هم ضحايا سوء توزيع للموارد، وهذه أزمة هيكلية غير عابرة، يعود جذرها إلى إنفاق المال في غير موضعه لفائدة نخب محدودة.. تماما كما هو الحال في دول لا تكاد تبين على الخريطة الدولية.