ساهم فلاسفة أوروبيون عديدون في إرساء مفهوم العقد الاجتماعي خلال التاريخ الحديث، وكان من أهمهم (توماس هوبز وجون لوك وجان جاك روسو) في القرنين السابع عشر والثامن عشر، ووضعوا الأسس العامة لهذا العقد، الذي تحول إلى ما نسميه اليوم الدستور.

وهو ينظم علاقات المجتمع بالسلطة، ويرسم ملامح القوانين الناظمة لهذه العلاقة، وأسس التعاقد بين الناس في المجتمع الواحد، ويحدد القواعد الأساسية لعلاقاتهم مع الدولة، ويخط معالم هيكلية الدولة وبنية الحكم والقواعد التي تقومان عليها، كما ينسق بين السلطات العامة في الدولة والمجتمع، ويحدد مهمة كل سلطة.

ويفصل بين السلطات، ويضمن حقوق الأفراد والجماعة، أي باختصار يقرر شكل الدولة وهيكليتها ومؤسساتها وصلاحيات كل من هذه المؤسسات وعلاقتها بالمجتمع وبالأفراد، ويضع الأسس لسن قوانين مشتركة تتفق عليها الجماعة من جهة، وتخضع لها من جهة أخرى.

باعتبار أن الدستور عقد اجتماعي، يهم ويهتم ويتعلق بجميع أفراد المجتمع وشرائحه الاجتماعية والاقتصادية، وتياراته السياسية وأفراده من مختلف الآراء والمشارب والمنابت، وباعتباره يهم ويهتم بالفقير والغني، واليميني واليساري، وبسكان الريف والمدن، وبالمتعلمين وغير المتعلمين، فينبغي أن يكون دور لهؤلاء جميعاً وحق في المشاركة بإقراره.

وهو في النهاية اتفاق رضائي وتوافقي بين أبناء المجتمع يحفظون فيه التوازنات بين مصالحهم وحقوقهم جميعاً، لذلك لا ينبغي أن تقرر الدستور فئة واحدة، بل لابد أن تشارك في إقراره مختلف فئات المجتمع وطبقاته وصولاً إلى التوافق المرجو، وعلى ذلك فإنه من الخطأ الفادح، والتصرف الذي لا يستقيم، تكليف لجنة إدارية (بيروقراطية) بإنشاء الدستور، حتى لو كان جميع أعضائها من المختصين والأكاديميين.

ولهذا درجت المجتمعات المعاصرة على انتخاب هيئة تأسيسية أو مجلس تأسيسي منتخب من الشعب، يمثل الشعب كله بكافة فصائله، مهمته وضع الدستور، وعندما توضع أسس هذا الدستور وتوجهاته المختلفة، عندها تكلف لجنة فنية من المختصين (لصياغته) لاقبل ذلك.

فاللجنة إذن لا تضعه وإنما تصيغ ما اتفق عليه أعضاء الهيئة التأسيسية، كما تلجأ المجتمعات إلى انتخاب هذه الهيئة عند أي تطور (مفصلي)، وهذا ما لجأ إليه المجتمع التونسي بعد تغيير نظامه قبل أشهر، حيث عمد أولاً إلى انتخاب هيئة تأسيسية لوضع الدستور.

وهو أيضاً ما قرره المجلس العسكري المصري عند توليه السلطة فور تغيير النظام، بعد أن وضع مبادئ دستورية مؤقتة تحكم المرحلة الانتقالية، وأقر تشكيل الهيئة وشكلها وبنيتها وطريقة انتخابها، وحدد مهمتها.

يندرج الدستور فوق القوانين والتشريعات الأخرى، مهما كان موضوعها أو مصدرها أو الذي يقررها، وهو المرجعية الشرعية لهذه التشريعات التي يعود المشرعون ورجال الإدارة إليها في كل حين. ويتناول عادة أسس توجهات المجتمع، ومصدر التشريع فيه، وصلاحيات السلطات الرئيسية الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، ومهمات كل منها، وإيجاد الضمانات لفصلها وعدم تدخل إحداها بشؤون الأخرى ويضمن عدم هيمنة أحدها على السلطتين الأخريين، كما يحدد صلاحيات رئيس البلاد ومهماته وطرق انتخابه ومدة ولايته وعلاقته بمؤسسات الدولة المختلفة.

وطرق تشكيل المحكمة الدستورية العليا وصلاحياتها، باعتبارها السلطة العليا التي تكلف بتفسير القوانين وبيان شرعيتها ودستوريتها إذا حدث إشكال في هذا التفسير، وهكذا يشكل الدستور الأساس الصلب لتنظيم الدولة والسلطة والمجتمع، بما يضمن حقوق المواطن، وحقوق الإنسان عامة.

كما يضع الأسس أو على الأقل الملامح، لتحقيق تكافؤ الفرص في المجتمع الواحد، وتحقيق التوازن بين فئاته، بما في ذلك حفظ حقوق المرأة، ودورها الاجتماعي والاقتصادي، ومدى مشاركتها في شؤون البلاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية. فضلاً عن أنه يحدد من يتولى إعلان الحرب والسلم وكيف يتحقق ذلك، بهدف حفظ أمن البلاد واستقرارها، والدفاع عنها بوجه أي عدوان.

يتضمن الدستور عادة مواد تهتم بمعايير الدولة الحديثة، بما يؤكد هذه المعايير، كالمواطنة باعتبارها مرجعية وحيدة وأساس، حيث يتعامل الدستور مع المواطن الفرد الحر، دون اعتبار لتوجهاته الثقافية أو الدينية أو السياسية أو الطائفية أو الاجتماعية أو غيرها.

ولا يعتبر أي من هذه التوجهات مرجعية للمواطن، فالمواطنون بالنسبة إليه متساوون بالمطلق، ولهم مرجعية واحدة، ولهذا فإن المجتمعات المتقدمة تحترم القانون إلى درجة تقارب التقديس، باعتباره ينطلق من المبادئ الدستورية ويحفظ حقوق جميع المواطنين.

ويتساوى جميع الناس أمامه، من رئيس البلاد إلى أي مواطن، ولعل احترام الدستور ومضمونه، والقانون ومقتضياته، في هذه البلدان، هي التي تحفظ أمن المجتمع واستقراره، وتزيل خوف المواطن من السلطة، ومن الظلم أو الجور أو الاعتداء على حقوقه.

وتهيئ المناخ لاحترام الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وتتيح للمواطن تفتح مبادراته وإبداعاته، وللمجتمع تحقيق التنمية والتقدم.

لا تحترم الأنظمة الشمولية غالباً أحكام الدستور، وتتعامل معه وكأنه قانون أو تشريع يمكنها تغييره أو تعديله أو الإضافة إليه أو الحذف منه، وتعطي لنفسها أو للمؤسسة التي تسميها تشريعية في الدولة حق تعديل هذا الدستور دون الرجوع إلى الشعب، ولأن المؤسسة التشريعية في مثل هذه الأنظمة هي غالباً مؤسسة من المؤسسات أو إدارة من الإدارات التابعة للسلطة التنفيذية.

فيصبح احترام الدستور يشبه الملهاة، وتعديله أسهل من شرب الماء القراح، وبذلك يكون الحاكم في النظام الشمولي أقوى من الدستور والقانون والتشريع، وكثيراً ما قال مثل هؤلاء الحكام (أنا الدولة والدولة أنا) أي أن الحاكم نفسه مصدر السلطات والسيد المطاع الذي له الحق المطلق بتسيير الدولة على هواه، وإقرار القانون كما يريد، غير متقيد لا بدستور ولا بعقد اجتماعي.