نستظل هذه الأيام بوارف ظلال شجرة الاتحاد، ونتنسم عاطر ذكراها العزيزة، التي أرخت لنهضة الإمارات على مدى أربعين عاماً من الخير والعطاء، كانت كفيلة بنقل البلاد من صحراء التفرق إلى جنان الاتحاد، ومن وهن التباعد إلى قوة الوحدة، ومن أخطار التشتت إلى أمن الاجتماع والتعاضد في سبيل نهضة الإمارات وأبنائها، وجعلت الوطن ركيزة من ركائز الاستقرار في المنطقة، بقدرتها على إسباغ عوامل الأمن الداخلي والسلم الاجتماعي والسلام مع الجوار، في منظومة سياسية اجتماعية ناضجة المعايير، تحسن التعامل مع الأشقاء والأصدقاء والجوار، وتتحدث بصوت الأمن ولغة السلام.

ولا شك أن الحديث عن ثمرات الاتحاد وما جاد به على الوطن وأهله جميعاً، من خير ونماء ونهضة وحضارة، لا تكاد تعد ولا تحصى في موازين العمر القصير، الذي قطعته الدولة العامرة منذ نشأتها قبل أربعين عاماً من الآن، إلا أن بعض تلك المنجزات يقف في قاعدة البناء المجتمعي، ليكون في حقيقته إكسير النهضة وجوهر العمل للحضارة والريادة، بل هو الأساس المتين الذي لا تستقيم الحياة إلا به، ولا يمكن لأي مشروع بناء في العمران أو الإنسان أن يأخذ مداه ومجاله إلا به.

 ذاك الأساس الصلب الذي نتحدث عنه، هو حقيقة الأمن التي أرسى قواعدها الاتحاد، فأسبغ حلته الغامرة على جميع أرجاء الوطن، فشملت الجميع، وقدمت لكافة أبناء الوطن، بل والوافدين والزائرين لثراه، أرضية تشجع على البقاء والعطاء معاً، ومنحت الحياة على أرض الإمارات طعماً آخر، تملؤه الحرية ويحكمه العمل والعطاء، وينظم عقده ميثاق التعايش الإنساني بين الجميع لخدمة الجميع، وهو فضاء طالما اشتاق له الكثيرون، وعزّ على البعض نواله حتى في أوطانهم وبين أهليهم.

نعمة عظيمة تلك التي أثمرتها شجرة الاتحاد وارفة الظلال، والتي جعلت البلاد تنتقل من قمة إلى قمة، وأهلت الدولة لتكون حاضرة في موازين الاستقرار الإقليمي والعربي، وهي التي قدمت الإمارات بتميز رسالتها المحبة للسلام، مفتوحة الأيدي أمام الجميع ما دام يقبل بمعادلة السلام منهجاً للتعايش والتآلف الإنساني.

ولا شك أن فلسفة الأمن والأمان التي أرسى أصولها وجذورها المخلصون ممن بذلوا أعظم الجهود لنشأة اتحاد الإمارات، ورعت غرسها بماء العطاء والرعاية القيادة الرشيدة التي تمثلت في خير خلف لخير سلف حمل مشعل النهضة، وهيأ التربة الخصبة لصمود شجرة الاتحاد أمام رياح المتغيرات على اختلاف وجهاتها.. هذه الفلسفة انطلقت من حقيقة أن الإحساس بالأمان هو مفتاح الإنجاز وصانع التميز، فمن دون ذلك يغدو الشلل الحضاري ملازماً للإنسان، ويحكم على حياته وإبداعه بالخمول والانطفاء على الذات، في عودة إلى حب النفس ولو على حساب الآخرين، والعيش من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه من فتات الحياة، وحظوظ النفس.

تلك النظرة الثاقبة لأهمية الاتحاد، هي ما أكدها المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان رحمه الله تعالى، عند وضع أسس قيام دولة الاتحاد، حيث أظهر يومها عوامل حتمية هذا الاتحاد، وضرورته للوطن والأمة العربية والأشقاء والأصدقاء، فقال: "إن قيام الاتحاد ضرورة قومية، فهو يؤمّن الاستقرار والأمن، ثم إنه سيكون عوناً وسنداً لأشقائنا العرب وأصدقائنا في العالم".

وعلى هذا النهج كانت قناعة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله، حين قال: "لقد تأكد لجميع المواطنين أن هذا الاتحاد الغالي إنما هو ليس قدرهم ومصيرهم فقط، بل هو المستقبل والرخاء والأمن والأمان والرفاهية والطمأنينة والعزة والكرامة، ليس لهذا الجيل فقط، بل للأجيال القادمة".

والدولة التي نظرت إلى قمم التنمية العالية كخطوة تالية بعد الاتحاد، أيقنت بجهود أبنائها المخلصين أن الاستقرار النفسي كفيل بإشعال جذوة التنمية في النفوس، وكيف يأتي هذا الاستقرار إلى النفوس إذا كان المرء يخشى على قوته وذاته وعياله من غوائل الأيام! والحقيقة التي يشهد لها واقع الحال في دولتنا الحبيبة، هو قدرة أجهزة الأمن في الدولة على الوفاء بمعادلة الأمن بنجاح، من دون إشعار أحد بالقبضة المحكمة، لأنها قبضة إنسانية تنظر إلى عملها على أنه واجب إنساني بامتياز، لا يتعارض مع كرامة الإنسان بل يحرص عليها، ولا يتحدى حريات المواطنين بل يصونها ويرعاها، ولا يتعدى على حقوق الناس بل يدفعها في الاتجاه الصحيح، الذي يضمن لها كامل مميزاتها.

والاستقرار والأمن والأمان ثمار يانعة، دأب الآباء المخلصون والقيادة الرشيدة على تقديمها سهلة المنال بين يدي الأبناء، لتكون زادهم الإنساني الذي يعينهم على حمل لواء العمل الحضاري بإخلاص وثقة، إلا أن هذه الثمار تبقى أمانة رهن الحرص والمتابعة، تصونها القلوب الوطنية من أيدي العابثين، ما يجعل مسؤوليتها منسحبة على الجميع، ليبقى اتحادنا قوياً متماسكاً، يرقى بأمانه إلى واحة السلام العالمية، ويصنع من ربوعه وجهة التعايش الإنسانية.