منذ فترة وجيزة، التقط ميكروفون مفتوح، حديثاً دار بين الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي والرئيس الأميركي باراك أوباما، اشتركا خلاله في ذم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. فقد قال ساركوزي ساخراً: "لا أستطيع تحمله، إنه شخص كاذب". وزاد أوباما على ذلك قائلاً: "لقد ضقت أنت به ذرعاً، ولكنني مضطر للتعامل معه بشكل يومي".
وفي أحد أغرب مقالات الرأي المنشورة من قبل صحيفة "نيويورك تايمز" مؤخراً، أشار بول كين إلى أن الولايات المتحدة بمقدورها أن تبيع فعلياً دعمها لتايوان الديمقراطية، لقاء نحو تريليون دولار. وجادل بأن الصينيين قد يشعرون بالامتنان الكبير، لأننا سنسمح لهم بوضع أيديهم على الجزيرة، إلى درجة أنهم قد يتغاضون عن الكثير مما ندين لهم به.
فلم تخاطر الولايات المتحدة من أجل ضمان أمن دول مثل تايوان؟ من المؤكد أن الأموال الذكية، ومعظم دول العالم، تراهن على أعدائها الأكثر ثراء. فالشرق الأوسط العربي يملك النفط، ومئات الملايين من الناس، والكثير من المتشددين الخطرين. أما الصين فتملك قوة تزيد على مليار نسمة، واقتصاداً يعد الأسرع نمواً على مستوى العالم.
ولكن ينبغي للرئيس أوباما، أن يتذكر أن أميركا لا تفكر بالمزايا الوطنية فحسب. وفي الواقع، يبدو أن الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة التي تميل إلى حماية البلدان الصغيرة والضعيفة. ومن خلال حربين وما يزيد على 12 عاماً من حظر الطيران في العراق، تمكنت أميركا من إنقاذ الأكراد من الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، الذي كان يرتكب إبادات جماعية ضدهم.
ولم يتبق لليونان اليوم سوى حفنة من الأصدقاء، حيث يشعر دائنوها في شمال أوروبا بالغضب حيال تبذيرها وازدواجيتها. وفي مكان قريب منها، تعمد تركيا الآخذة في الصعود، إلى إظهار سيطرتها على قبرص المحتلة، وعلى الاكتشافات الجديدة من النفط والغاز في كل من بحر إيجه والبحر الأبيض المتوسط الشرقي. وباختصار؛ فإن اليونان المفلسة التي تضم 11 مليون نسمة فحسب، والواقعة في إحدى المناطق الأكثر خطورة على امتداد التاريخ، ليس لديها سوى القليل من الأصدقاء الأقوياء إلى جانب الولايات المتحدة. والشيء نفسه ينطبق على أرمينيا، وهي الأخرى صغيرة نسبياً، وقريبة من الأعداء التاريخيين في كل من تركيا وروسيا.
وكل هذه الشعوب، أي الصينيون المناهضون للشيوعية والأكراد والأرمن واليونانيون، تجمعها بعض العوامل المشتركة. فهي صغيرة نسبياً، وآخذة في التقلص في كثير من الأحيان، وجيرانها عدوانيون، وحلفاؤها الأقوياء قليلون، ولديها عدد كبير من المغتربين واللاجئين في الولايات المتحدة، وتاريخ مأساوي من الاضطهاد والإبادة الجماعية. فلو أن ماو تسي تونغ، وهو القاتل الجماعي الذي أزهق أكبر عدد من الأرواح على امتداد التاريخ، ترك على راحته، لأبيد الصينيون المناهضون للشيوعية، الذين فروا إلى تايوان بدافع الرعب.
وفي أوائل عشرينات القرن الماضي، قضى نحو مليون يوناني نحبهم في آسيا الصغرى، التي تم تطهيرها عرقياً من قبل تركيا التي كانت قد غزت اليونان في وقت من الأوقات، واحتلتها لأكثر من 350 عاماً. وقد لقي مليون أرمني حتفهم أثناء انهيار الإمبراطورية العثمانية، خلال الحرب العالمية الأولى. ولطالما تعرض الأكراد، الذين لا وطن لهم، للاضطهاد.
وعلينا أن نتذكر أن اليونان وتايوان كانتا لتزولا كدولتين حرتين ومستقلتين في أواخر أربعينات القرن الماضي، لولا ما قدمته أميركا من دعم عسكري وضمانات. ولم تتمكن أرمينيا من الظهور كدولة حرة، إلى أن ساهمت أميركا في إرغام الاتحاد السوفييتي على الانهيار. ولم تظهر كردستان كمحافظة مستقلة، إلا حين قامت أميركا بخلع صدام حسين.
وبطبيعة الحال، فقد تكون هذه الشعوب المضطهدة تاريخياً، سريعة الغضب في بعض الأوقات، وقد تبدو حتى مناهضة للولايات المتحدة. ولأسباب يمكن تفهمها، فإن خصائصها الوطنية، التي تعكس قروناً من القمع، قد تقع فريسة للشك الجماعي ونظريات المؤامرة. ومع ذلك، فإن تايوان وكردستان واليونان وأرمينيا، هي دول ديمقراطية، ذات تاريخ غني نجا رغم كل الصعاب.
وفي السنوات القليلة المقبلة، كما لم يحدث من قبل، سيخضع أصدقاء أميركا الصغار للاختبار، حيث ستقوم الولايات المتحدة بسحب كامل قواتها من العراق في نهاية العام الجاري، ومن ثم ستبقى كردستان بمفردها تماماً. وغالباً ما تتحدث روسيا عن إعادة ضم الدول التابعة للاتحاد السوفييتي السابق، في نوع من الاتحاد الإمبريالي الجديد. وترى الصين أن الأمر لن يستغرق إلا بعض الوقت، قبل أن تتمكن من ابتلاع تايوان. وقد بدأت تركيا الجديدة في الاقتراب من حيث الشبه من السلطنة العثمانية القديمة، إلى حد كبير.
ومع ذلك، فإنه في حال كانت حماية هذه الدول الصغيرة تمثل أمراً محفوفاً بالمخاطر، فإن قلقنا ينعكس بصورة إيجابية على القيم الاستثنائية للولايات المتحدة. ولا تمتلك الأمم المتحدة الإرادة أو القدرة لضمان أمن هذه الدول. ويتحدث الاتحاد الأوروبي المتآكل، بمزيد من الكبرياء عن القيم الدولية، ولكنه نادراً ما يخاطر بدمه أو ثرواته دفاعاً عنها.
وأميركا هي الوحيدة التي تتمتع بالقدر الكافي من الأخلاق والقوة، لحماية الشعوب المستضعفة تاريخياً والفريدة ثقافياً في العالم. وسيكون من العار أن ننسى ذلك، إما بدافع الرغبة في الحصول على الربح أو لأننا سئمنا من العناء.