هل تتعرض مصر لمؤامرة خارجية تريد أن تقطع عليها ثورتها، وتخمد شعلتها المتوهجة؟ قطعا إن مصر أمام مفترق طرق، ولحظة اختيار صعبة، وعلى أي أمة في مثل تلك المنعرجات التاريخية، أن تحدد اختيارها التاريخي، وتثبت أمام اختبارات الداخل والخارج معا.
لم يكن التاريخ أبدا فردوسا للأطهار، وبنفس القدر ما كان مؤامرة متصلة، ومصر اليوم تقف في منتصف المسافة، حيث المؤامرة الخارجية حاضرة بالفعل تقرع أبوابها، والانقسام الداخلي يفت في عضدها.
في مقدمته، يرى ابن خلدون أن "ثمة بلدانا لا يعرف القلق منها سبيلا إلى قلب السلطان لندرة الثورات فيها، ففي مصر مثلا لا تجد غير السيد المطاع والرعية المطيعة"، لكن ما جرى منذ الخامس والعشرين من يناير، يلقي بظلال من الشك على مقولة عالم الاجتماع العربي الأشهر، فالثورة لا تزال متوهجة والموجة الثانية باتت تزعج السلطان بالفعل.
يرفض البعض من أبناء مصر، الاعتراف بأن عجلة التاريخ قد تحركت، ويظن أن عقلية السيد المستبد والرعية المستكينة لا تزال سائدة، ولهذا يتعرض بعض من أهالي مصابي الثورة لاعتداء عنيف مبالغ فيه، من قبل قوات الأمن في ميدان التحرير، لتنطلق الشرارة من جديد رافضة امتهان كرامة المصري.
الاعتداء على عشرات من مصابي الثورة، وبطريقة دموية في ميدان التحرير، كان كفيلا بإشعال الموجة الثانية من الثورة، عند الثوار الشباب، الذين حلموا ولا يزالون بالعيش والحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.. شعارات 25 يناير.
الفتنة رابضة خلف الباب، والمؤامرة من الداخل والخارج معا، أعطت الفرصة لمحاولة إحراق مصر.. مصر التي ورد عنها في القرآن "ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين"، وفي التوراة "مبارك شعبي مصر"، وفي الإنجيل "من مصر دعوت ابني".
يصعب على المرء أن يحصي المشاهد الخارجية التي تمثل المؤامرة الصارخة، التي لا تريد لمصر أن تقف منتصبة القوام، وأن تعود من جديد "عمود الخيمة العربية"، بدءا من التحالفات الأمريكية الخفية تارة، والمعلنة تارة أخرى مع تيارات بعينها، تحاول التوفيق بين الحق الطبيعي والحق الإلهي، الأمر الذي لن يؤدي إلا إلى اضطراب إيديولوجي وسياسي وقانوني، يقود مصر إلى نهاية مأساوية، تسر خاطر القوى الرجعية الاستعمارية، مرورا بإسرائيل التي لم يوفر رئيس استخباراتها العسكرية السابق، الإعلان رسميا عن نجاح بلاده في العمل على تفتيت وزعزعة استقرار مصر، وصولا إلى أطراف إقليمية عدة ترى في نجاح الثورة المصرية مهددا لعروشها وجيوشها!
لماذا نبتلع الطعم كل مرة؟ وهل مصر تفتقر حقا للرجال والمرجعيات القادرين على تخليصها من براثن مخططات الخارج، وتجنيبها أخطاء الداخل؟
حتما، إن الناظر للداخل المصري الآن يؤلمه ما يراه من انقسام روح مصر بين أبنائها، لجهة تيارات متصارعة ومتنازعة وفي توقيت غير صحي، انتقالي يكاد أن ينحو إلى انتقامي، وفي هذا كارثة كبرى على سلامة النسيج الوطني المصري، الذي ظل سبيكة متجانسة على امتداد آلاف السنين.
ولعل ما يصيب المرء بخيبة أمل وإحباط واسعين، هو حالة الخواء التي بدت عليها مصر الأيام الأخيرة، عندما انتشر الموت والنار والدمار في محيط التحرير، ولم تظهر على السطح مرجعيات حزبية أو دينية، ولا عرفنا مؤسسات أهلية أو سياسية قادرة على وقف إراقة الدماء.
ما تعيشه مصر من مشهد حزين مؤخرا، ليس إلا حالة من حالات الإسقاط لكبت طال عقودا، ومعه بدا المصريون وكأنهم فقدوا البوصلة للتمييز بين العدو الخارجي وذاك الداخلي، حتى ان بعض المتظاهرين لم يكن له من هم سوى إحراق المنشآت العامة المصرية، وإن كان أغلب الظن أن هؤلاء من الطابور الخامس، وليسوا من شباب الثورة أو الثوار.
لسنا هنا في مقام تشريح الموقف السياسي المصري، ولا في مناسبة اجترار سيناريو الأحداث وتفكيكه أو تحليله، لكننا نرمي إلى ما هو أبعد بكثير، إلى لحظة الفصل والاختيار المصيري التي تواجه مصر والمصريين، فإما أن يعمل سر الإثم بين صفوفهم، لتضحي مصر دولة فاشلة، وهذا ما يتمناه لها كثر ويعملون عليه صباح مساء كل يوم، وإما أن تجد طريقها عبر سر البعث والقيامة، إكراما لدماء شهدائها ومصابيها.
كل بيت ينقسم على ذاته يخرب، وكل مملكة تنقسم على ذاتها لا تثبت، وإذا كانت مصر قد صمدت أمام نوازل وشدائد جسام عبر آلاف السنين، فإنها اليوم تمحص بالنار، فإما أن تخرج في حلة بهية، وإما نماذج التفكيك ماضية على قدم وساق، والمؤامرة الخارجية حاضرة، وشهوة قلبها أن يساعدها المصريون من الداخل، عبر انقساماتهم واتهاماتهم وتشتتهم في تيه سياسي، وبرية حزبية، وفتن طائفية، واستعلاءات ثيولوجية.
الوطن مودات، والأوطان شراكة أحلام، وحال غابت المودة، أو تبخر الحلم، ضاعت الدولة.. هل هذا ما يريده المصريون لمصر؟