بقيت عدة أيام على نهاية عام 2011، وهي ربما تبرز مفاجآت جديدة على المستوى العربي، وربما تزيل الرياح الرماد الذي ما يزال يغطي بعض الجمرات الخامدة تحته، وبالمناسبة لقد شاهد الإنسان العربي تحويلات لم تكن تخطر على باله، وكان السائد أن الأوضاع ثابتة لأبد، وأن الإنسان قد رُوض على مدى نصف قرن من الزمان، حتى إن المشاهد، اعتقد أن لقمة العيش هي الهم الأساسي وليس سواه، واستطاعت بعض المؤسسات العسكرية أن تضع الأغلال على أفواه وأيدي وأرجل رجل الشارع! فقد استخدم المال السياسي، في وضع ماكياج خداع لأولئك الذين اعتقدوا أن الصمت هو دليل على الرضا بما يجري.

يبدو أن بعض السلطات العربية لم تتعود على القراءة، أو حتى المشاهدة لما يجري في العالم. ثلاث دول، كانت تمتلك أضلاع التنمية الشاملة سواءً في الجانب البشري، المالي والطبيعة، إلا أنها وبشكل متعمد قامت بتدمير الثالوث المنقذ للأمة.

والبداية كانت في العراق، ذلك البلد الذي كان يشكل حلماً للعرب بشكل عام، وللعراقيين بشكل خاص، فقد كانت بغداد حلماً للعودة إلى عهد هارون الرشيد، وحمل شعلة الحضارة الإنسانية والتقدم بها، إلا أن ذلك الحلم ذهب أدراج الرياح، حينما وصل إلى السلطة السياسية إنسان مقهور في الداخل وبالتالي قام بتوزيع ذلك القهر على شعب بأكمله، وفتت الوحدة الوطنية، وساهم في خلق حواجز بين القوميات التي تشكل العمود الفقري للمجتمع، ولم يستفد بما قام العديد من العلماء، ومنهم حنا بطاطا، والوردي، مروراً بالعديد من الباحثين ممن كانوا يعيشون في تحقيق الحلم. إلا أن القوى المحركة للعالم رأت في ذلك كسراً في إحدى حلقات تحكمها، وعليه فلابد من تحريك الطابور الخامس من أعداء تقدم الأمة.

كانت بغداد مشعلا من النور، ونموذج للتعايش السلمي في وطن واحد، وإنسان حراً، لقد تم تدمير المؤسسات العلمية، وتم تصفية كل من لا يقف مع العقلية الفردية، وبدأت أيدي الانقلابيين بأكل أبناؤها، سواءً الأفراد أو المؤسسات، ولم يدرك أولئك أن الدور سوف ينالهم فيما بعد. وتمت تقديمهم كنموذج تعجز الكلمات عن وصفهم. فكانت نهاية ذلك النموذج، ونهاية صدام كانت في 30/12/2006، بعد محاكمات دامت فترة طويلة.

أما النموذج الثاني فقد كان في المجتمع الليبي، حيث اعتقد أن القوى الشابة، أو التي جاءت في مرحلة التحرر الوطني سوف تخلق الجنة على الأرض؟! إلا أن ما بني على باطل لا حل له إلا تدمير ذاته والآخرون، كان هذا المجتمع يمتلك مقومات الوحدة الداخلية، خاصة بعدما ناضل ضد الاحتلال الإيطالي، وكان رمزه في ذلك عمر المختار، القائد الذي هزم أعدائه من خلال تحالف قوى الشعب ضد الاستعمار البشع. كانت مهمة قائد انقلاب الفاتح من سبتمبر، التلاعب بمشاعر الشعب الليبي من خلال شعارات كانت تعمل كالأفيون في تخدير الشعب، ومواكبة شعارات الشارع العربي حينذاك، إلا أن معمر القذافي قام وبشكل متعمد إلى تشريد كل الغيورين على وطنهم، ومحبي الإنسان البسيط في ذلك البلد الذي يمتلك المليارات من الدولارات، ألم يقم سيف الإسلام بعرض رشوة تقدر بالمليارات لإطلاق صراحه، وذلك بعدما وقع الفأس في الرأس، وانكشف زيف السلطة بفضل الإعلام المتطور، عجباً، ألم يفكروا أن من لا سند شعبي له، نهايته ستكون بدون سند من أحد، حتى ما كان يعتقد أنهم أصدقاؤه. آه وألف مرة آه، لماذا لم نرى نموذج للخروج من الفقر والقهر نحو الغنى والتحرر والعيش بصوره إنسانية أفضل، ولظلت السلطة معهم لا يتنازعهم عليها أحد، إلا أن الجبروت والغرور حال دون وعي الدرس العراقي.

الحالة الثالثة هي أم الدنيا، والتي ربما كانت الأحداث تتم بصورة أفضل مما سبق، فقد كان الشعب المصري، لا يؤمن بالعنف. واتخذ وسائل أخرى بالرغم من شراسة ردود فعل المؤسسة العسكرية، بشكل غير مباشر، ألم تكن ساحة الميدان وما جرى فيه مؤثراً في عدم استيعاب النظام السياسي لما يجري في الشارع، لعلهم لم يشاهدوا فيلم «طباخ الريس». أليست هذه الحالات الثلاث ما هي إلا إعلان عن نهاية جماعة البيان رقم واحد. وأنها قد ساهمت في إجهاض تطوير تلك المجتمعات من خلال النمو والتطور البطيء إلا أنه يسير في الطريق الصحيح نحو التغيير والتطور. فلا ما يسمى الثورات الأخرى، ولا هي التي حافظت على ما هو كان قائماً، بل أحدثت عاهات، وزرعت السرطان في جسم تلك الشعوب، ولعل ما جرى يكون درساً لمن يحاول أن يحرق المراحل وبوسائل بدائية، أعادت المجتمعات إلى ما قبل المربع الأول. من الواضح جلياً أن الأخطاء تتكرر في أكثر من دولة عربية، وإن كانت بصورة مختلفة إلا أن النتائج واحدة، وهي الوصول إلى نهاية لعبة الشطرنج «كِش ملك».

إن الاعتماد على مؤسسات المجتمع المدني هو الحل، حتى يعود الإنسان للأمن والاطمئنان، وعودة إلى التأكيد على أن الشعوب هي الباقية، وأن السلطة من دونهم، ودون التلاحم والمحبة بين السلطة والشعوب هي الخاسرة. فهل استفادت من الدرس؟!