منذ وقت ليس ببعيد، وعد المرشح باراك أوباما بتبريد كوكب الأرض، وخفض منسوب مياه البحار الآخذ في الارتفاع. وبالفعل، فقد خاض حملته على أساس تمرير تشريع "الحد الأقصى والتجارة"، وهو جهد جذري ومكلف، يهدف إلى خفض استهلاك أميركا التقليدي لطاقة الكربون.
وكانت النظرية تنص على أن فرض ضرائب جديدة ومزيدا من الضوابط، من شأنه أن يجعل الأميركيين يدفعون مبلغاً أكبر مقابل طاقة الوقود الأحفوري، وهو أمر جيد إن ساهم في تخفيض استهلاكنا للفحم والنفط والغاز. ولم يخجل الرئيس الأميركي باراك أوباما، من الاعتراف بأن خططه الخضراء ستفضي إلى ارتفاع أسعار الكهرباء "بشكل صارخ حتماً". وكان وزير الطاقة الأميركي ستيفن تشو، قد قال في مرحلة من المراحل: "يتعين علينا، بطريقة أو بأخرى، أن نتوصل إلى طريقة لزيادة سعر البنزين إلى المستويات الأروربية"، وهو ما يعادل نحو 8-10 دولارات للغالون الواحد. وسواء كان ذلك منصفاً أم لا، فقد بدا أن حركة الاحتباس الحراري فوضت نخبة صغيرة بفرض التكاليف على الطبقة الأفقر، والتي يفترض أنها أقل دراية بما يحدث.
ولكن على الرغم من خضوع مجلسي النواب والشيوخ لسيطرة الديمقراطيين في عامي 2009 و2010، فإن الرئيس أوباما لم يقم بتمرير أي تشريع بشأن الاحتباس الحراري على الإطلاق. والآن، أضحت المسألة أكثر من ميتة، رغم جهود وكالة حماية البيئة الرامية إلى اعتماد أنظمة جديدة، لا يمكن أن يوافق عليها الكونغرس.
فماذا حصل لهوس الاحتباس الحراري؟
إن الفساد داخل قطاع التغير المناخي، يفسر بعض النفور المفاجئ. وقد كشفت فضيحة "كلايمت غيت"، التي انطوت على تسريب رسائل إلكترونية من "وحدة بحوث المناخ" في المملكة المتحدة عام 2009، عن أن عدداً كبيراً من علماء المناخ البارزين حول العالم، كانوا متورطين في التلاعب بأدلة علمية، لغرض دعم استنتاجات مسبقة وأجندات شخصية. وقد اتضح أن التحذيرات الصاخبة بشأن مختلف القضايا، بدءاً من ذوبان الأنهار الجليدية في جبال الهيمالايا وانتهاءً بتقلص تعداد الدببة القطبية، لم تكن دائماً مدعومة بالحقائق العلمية.
ولسوء الطالع، فقد أضحى مصطلح "خضراء" خلال السنوات الثلاث الماضية، مرادفاً للرأسمالية المتربحة على طريقة شركة "سوليندرا". وقد أصبحت أفكار الفطرة السليمة، بما في ذلك زيادة عدد طواحين الهواء والألواح الشمسية والمنازل المحدثة والسيارات الكهربائية، متداولة في نشرات الأخبار في الآونة الأخيرة. ولكن المواضيع الرئيسية كانت متشابهة على نحو يبعث على الكآبة، ومفادها أن فرص العمل التي تم إيجادها كانت قليلة، والطاقة التي تم إنتاجها بأسعار تنافسية كانت ضئيلة، ولكن عدد المتبرعين السياسيين الذين حصلوا على مئات الملايين من الدولارات في شكل قروض بفائدة متدنية من الحكومة، كان كبيراً.
وبطبيعة الحال، فإن حصول أبرز المتحدثين باسم الطاقة الخضراء على مستوى العالم، وهو آل غور، الحائز على جائزة نوبل، على عشرات الملايين من الدولارات من خلال دفاعه عن البيئة، لم يشكل عاملاً مساعداً. فقد عمد غور إلى تبني أسلوب حياة ينطوي على التنقل بالطائرات النفاثة واقتناء المنازل المتعطشة للطاقة، مناقضاً توسلاته للآخرين بتقليص الاستهلاك.
ولكن حتى في غياب الفساد والنفاق، فإن المدافعين المخلصين عن مقولتهم بأن ظاهرة الاحتباس الحراري هي من صنع الإنسان، بالغوا في دفاعهم. ففي التقارير التي أفادت بأن كوكب الأرض لم ترتفع درجة حرارته على الإطلاق خلال السنوات العشر الماضية، أفسح مصطلح "الاحتباس الحراري" المجال لمصطلح "التغير المناخي"، كما لو كان ذلك لتحذير الناس من أن الطقس البارد أو الرطب في غير أوانه كان من صنع الإنسان، تماماً كما كانت الحال بالنسبة لشبحي الجفاف وارتفاع درجات الحرارة في السابق.
وفيما بعد، عندما لم يكن "التغير المناخي" كافيا لتخويف الناس ودفعهم إلى التحرك، فقد تم استحداث مصطلح ثالث، وهو "فوضى المناخ". وفجأة، راح بعض "خبراء الطاقة الخضراء" يزعمون أن الكوارث الأشد هولا، بدءاً من الأعاصير والزوابع الدورية وانتهاءً بالبراكين والزلازل، من الممكن أن تعزى للمرة الأولى إلى حرق الوقود الأحفوري. وفي تلك المرحلة، فإن تغيير اسم المشكلة بشكل متسلسل، أوحى للكثيرين بأنها قد لا يكون لها وجود، في نهاية المطاف.
وتفسر الأوقات الصعبة الراهنة كذلك، تلاشي الهوس بظاهرة الاحتباس الحراري. فمع ارتفاع معدلات البطالة وانعدام النمو الاقتصادي تقريباً، لم يعد الأميركيون يرغبون في إغلاق محطات توليد الطاقة أو دفع رسوم جديدة على فواتير الطاقة الخاصة بهم.
وعلى امتداد نصف القرن الماضي، اتفق الأميركيون على أن محطات توليد الطاقة المصدرة للدخان والصناعات الملوثة، تحتاج إلى أن يتم تنظيفها. ولكن عندما بدأت الحركة الخضراء في إدراج الحرارة الناجمة عن الاحتراق النظيف في قائمة الملوثات، راحت تفقد مؤيديها الذين كانوا يمرون بضائقات مالية. وفي حين كانت إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما تدعم صناعات خضراء فاشلة، أو تفتقر إلى الكفاءة، فقد ساهم عدد من الإنجازات الجذرية في مجال استكشاف الوقود الأحفوري المحلي واستخراجه، وفي مقدمتها الحفر الأفقي والتكسير، في زيادة الاحتياطيات الأميركية المعروفة من الغاز والنفط بدرجة كبيرة.
وأشارت المحركات الحديثة ذات الكفاءة العالية، إلى أنه من الممكن استهلاك الغاز والنفط، إن وجدا، بقدر قليل من التلوث، وذلك في الوقت الذي ينفق الاقتصاد الأميركي المتعثر، ما يقرب من نصف تريليون دولار لاستيراد الوقود الأحفوري. ويبدو أن عامة الناس يفضلون أن نقوم بزيادة إنتاجنا من النفط والغاز والصخر الزيتي ورمال القار والفحم، على أن نعاني من الإفلاس، إما من خلال استيراد المزيد من الوقود من الخارج، أو تقديم المزيد من الدعم لطواحين الهواء والألواح الشمسية غير الفعالة، في الداخل.
إننا ببساطة لا نعرف على وجه اليقين، ما إذا كان النشاط البشري الأخير تسبب في ارتفاع درجة حرارة كوكب الأرض إلى مستويات خطيرة. ولكننا نعرف أن أولئك الذين يصرون على أن ذلك أمر مؤكد، يكونون مخادعين في بعض الأحيان، ويسعون للتربح في معظم الأحيان، ويكونون غير عمليين بصورة شبه دائمة.
أستاذ الدراسات الكلاسيكية في جامعة ستانفورد الأميركية