ستظل دولتنا الفتية تقتبس من نور تجربتها الاتحادية نورا يهيئ لمسيرتها الرشد ويجنبها الزلل، تلك المسيرة بسنواتها الأربعين جعلت منها نموذجا له سماته الخاصة والفريدة.

 وتفرده كان في مولده، وهو اتحاد الإمارات السبع في دولة واحدة، يوم أن كانت التجارب الاتحادية في منطقتنا العربية آتية من دروب التراجع والفشل، سواء بين مصر وسوريا أو التكامل بين مصر والسودان، كانت الإمارات ذاهبة في الاتجاه المعاكس، وهو الاتحاد الذي باتت دولتنا هبته الغالية، في وقت كانت فيه الشعوب لم تزل خارجة من نير الاحتلال وجبروته بكافة أشكاله وصوره، ولم يزل معول التقسيم والتقطيع يفعل بها الأفاعيل.

هنا كان اتحاد دولتنا وما زال التجربة الوحدوية الوحيدة والفردية التي نجحت في محيطنا العربي؛ لأن الرؤية كانت واضحة والإرادة حاضرة، والشاهد ما قاله زايد الخير رحمه الله "إن تجربتنا الوحدوية في دولة الإمارات، هي البرهان الساطع على أن الوحدة والتآزر هما مصدر كل قوة ورفعة وفخر".

وهو بذلك لم يكن ينظر إلى الوحدة في إطارها الضيق، بل إلى الوحدة العربية ككل، التي كان يرى أن الإمارات العربية نواتها، ليست حلما أو ضربا من الخيال بل واقع هذه الأمة، ويمكن تحقيقه إذا صدقت النوايا وتفاعلت الأماني والطموحات بالمساعي والعمل. ولا شك أن مجريات الأحداث والتحديات التي تواجه منطقتنا في الوقت الحاضر، تؤكد صدق الرؤية واستشرافها لمستقبل لم تكن ملامحه قد تحددت بعد.

والإمارات، وهي تسعى للأخذ بأسباب التقدم والرقي، لم تدر ظهرها يوما لأمتها العربية وتاريخها، بل ظل بعدها العربي ـ بانتصاراته وكبواته ـ حاضرا في موقع القلب من سياستها، باعتبارها جزءاً من الأمة العربية، يوحد بينها الدين والتاريخ واللغة والمصير المشترك، الذي يتطلب دفع الشر عنها وقت المحن، والمساهمة في تقديم صنيع الخير لها ولأبنائها.

والتاريخ ما زال يخلد موقف الإمارات في حرب أكتوبر 1973، حين جاء على لسان قيادتها في ذاك الوقت: "سنقف مع المقاتلين في مصر وسوريا بكل ما نملك، وليس المال أغلى من الدم، وليس النفط أغلى من الدماء العربية التي اختلطت على أرض جبهة القتال في مصر وسوريا". وهو نفس النهج الذي تسير عليها قيادة الدولة في التعامل مع كافة القضايا العربية، فلا تجد ملمة تصيب أمتنا أو أياً من أبنائها إلا والإمارات في مقدمة الركب، تضمد الجراح وتجمع الشتات وتنصر الحق وتصد الباطل وترفع الضيم.

وعلى الرغم من أن البعض يرى أن التجربة الديمقراطية في دولتنا حديثة ـ أقول إنها حديثة بالشكل الذي يريدونه ـ إلا أن التاريخ يؤكد أن الديمقراطية ـ وإن اختلفت المسميات ـ كانت نهجا لمجتمعنا، مارسه من قبلنا منذ زمن بعيد الآباء والأجداد، من خلال تكريس مبدأ الشورى، وتم ذلك في إطار من القيم العربية الأصيلة، ولم تزل دولتنا تسير بخطى متئدة وراسخة في طريق التغيير الذي وعدت به قيادتنا الرشيدة، بما فيه مصلحة الوطن وصالح المواطن، وفي إطار مجتمع له خصوصيته بعيدا عن التقليد الأعمى، وهذا من فقه الواقع وقراءة فاحصة ووعي لما يدور حولنا من مجريات الأحداث.

وآية ذلك، أن الإمارات ضربت النموذج في إعطاء المرأة حقوقاً سبقت فيها دولا تتشدق بالديمقراطية في المحيط الدولي، وأخرى على المستوى الإقليمي لا تزال تنادي فيها المرأة بحقها في التصويت في المجالس البلدية أو البرلمانية أو قيادة السيارة. ألم يقل القائد المؤسس الشيخ زايد ـ طيب الله ثراه ـ عن المرأة إنها نصف المجتمع، وهي ربة البيت، ولا ينبغي لدولة تبني نفسها أن تبقي على المرأة نصف مجتمعها غارقة في ظلام الجهل، أسيرة لأغلال القهر، مقيدة مشلولة الحركة، في الوقت الذي طالبها فيه ألا تهمل دورها في رعاية الأسرة، وتترك مهمة تربية الأبناء لمن ينشئهم على قيم غير قيمنا.

وسارت قيادتنا الرشيدة على الدرب ذاته في إعطاء المرأة المكانة اللائقة بها، من خلال تعظيم دورها وتفعيله ومشاركتها في مسيرة التنمية والبناء، إيمانا بأنهن شقائق الرجال. وفي تعبير قليل الكلمات عميق الأثر والمعنى، أنها "روح المكان". كما مثل ترشيحها للمجلس الوطني، تعبيرا صادقا عن هذا التوجه الذي يزداد ترسخا يوما بعد يوم على طريق التمكين.

كما أن التواصل بين القيادة والشعب ملمحٌ أساسيٌ من ملامح تعامل القيادة مع الشعب، واتباع سياسة الباب المفتوح في استقبال المواطن والاستماع لأنين المعوزين وتطبيب أوجاعهم، بل ومحاسبة المسؤولين أيا كانت درجاتهم، وعدم إعفائهم من المسؤولية.

إنني بهذا الطواف.. بين الماضي والحاضر، بين عزم المؤسسين ووضوح رؤيتهم، ووفاء من حملوا الراية وقوة عزيمتهم، بين أقوال تحولت إلى أفعال، وواقع وأفعال أكدت أقوالاً ونوايا.. أردت أن تعلم الأجيال الحاضرة كيف كانت حالة دولتنا التي تراوحت بين اليأس والرجاء، لنؤكد ـ لأنفسنا ولمن حولنا ومن سيأتي ـ عظم ما هم فيه من نعمة كبيرة يجب أن نعض عليها بالنواجذ. وكلما نظر الفرد لما يحدث حوله من أنظمة ـ قطعت خطوط التواصل مع شعوبها واستبدلت الحجة بالرصاص، وقوة المنطق بمنطق القوة ـ زادت لدينا الرغبة في أن يدرك ويعي أبناؤنا في المدارس والجامعات، رحلة البناء التي خاضتها دولتنا، باعتبارها لم تأت من فراغ.

ولم تكن بضربة حظ، أو لكون أن لدينا ثروة من النفط الذي لم تره قيادتنا يوما أهم وأقوى وأبقى من ثروتها الحقيقية التي لا تنضب وهي الإنسان، بل وسخرت هذه القوة لبنائه وجلب الخير له؛ والشاهد على ذلك الثروات الكبرى التي تملكها دولٌ من حولنا، تمرست أنظمتها خلفها تارة للاعتداء على دول مجاورة، وأخرى على شعوبها حين لم يجدوا غيرهم! مما ذكرني بقول الشاعر "وأحيانا على بكر أخينا * إذا ما لم نجد إلا أخانا".

ولا تزال الطموحات كبيرة، وهناك أوجاع في قلب الوطن تنتظر يد القيادة والشعب معا للتخلص منها، طالما صدقت الإرادة وتوحد التوجه لتظل دولتنا في موقع الصدارة.. من هنا كانت الإمارات وستظل دوما تقدم المثل والنموذج.