إذا ما اتجهت الأجواء السياسية في الكويت نحو التصعيد، وهي متجهة نحوه كما يرشح من الأنباء الواردة من هناك، فمن المقرر أن تنظم المعارضة اليوم تجمعاً واعتصاماً تحت عنوان «اثنين لا تنقضوا الميثاق»، وهو اتجاه يدفع بالأزمة في الكويت، التي عرفناها مثالاً للتوافق والانسجام بين جميع الأطياف، نحو مزيد من التعقيد، لا الحل.

كانت الكويت وستبقى منارة للتنوير والإشعاع، ليس على منطقة الخليج فقط، وإنما على الوطن العربي الذي لم يعرف في تاريخه الحديث سوى القليل من الديمقراطيات الحقيقية، كانت الديمقراطية الكويتية واحدة من أبرزها، منذ أن دعا أميرها الراحل الشيخ عبد الله السالم الصباح عام 1961، إلى انتخابات المجلس التأسيسي الذي مهد لوضع الدستور ووافق عليه، دون أن يطلب أي تغيير فيه، ومنذ أن أجريت أول انتخابات لمجلس الأمة في أوائل عام 1963، وقام الأمير الراحل بأداء القسم أمامه لتولي الحكم في البلاد، على الرغم من مرور 13 عاماً على توليه الحكم فعلياً، تنفيذاً لأحكام الدستور التي تنص على وجوب قيام الأمير بأداء القسم أمام المجلس، كي يرسي، رحمه الله، أصولاً للحكم يكون هو أول من يخضع لها ويطبقها على نفسه.

نستذكر هذا بعد أن شاهدنا على شاشات التلفزيون، وتابعنا عبر وسائل الإعلام المختلفة، ما حدث من اقتحام لمجلس الأمة الكويتي في ما سمي بأحداث "الأربعاء الأسود" الأسبوع الماضي، عندما قام مئات من المحتجين الغاضبين باقتحام المجلس، بعد مواجهات جرت بينهم وبين قوى الأمن، التي كانت تحاول منعهم من الوصول إلى منزل رئيس الوزراء المطالبين بإقالة حكومته.

صور اجتياح المحتجين، الذين رافقهم بعض نواب المجلس، للقاعة التي تحمل اسم الأمير الذي وضع قواعد الديمقراطية الكويتية، جاءت صادمة بكل المقاييس، وتمثل انتهاكاً لحرمة "بيت الأمة" الذي أسسه الأمير الراحل قبل ما يقرب من نصف قرن، كي يكون منبراً للحوار الراقي بين أبناء الشعب الكويتي، الذين ضربوا مثالاً للتلاحم إبّان الغزو العراقي الصدّامي لبلدهم عام 1990، وحتى تحريره وتطهير أرضه بعد سبعة أشهر من الاحتلال الغاشم.

لقد كسر المرحوم عبد الله السالم قاعدة الاستئثار بالحكم، وبادر منذ استقلال الكويت في 19 يونيو 1961، إلى إصدار مرسوم أميري بإنشاء مجلس تأسيسي لوضع دستور دائم للكويت، ومراقبة أعمال الوزارات، وسن القوانين والتشريعات المنظمة لمختلف المرافق. وجاء في نص المرسوم الأميري رقم 12 لسنة 1961: "نحن عبد الله السالم الصباح أمير دولة الكويت، رغبة منا في إقامة نظام الحكم على أسس واضحة متينة، وتمهيداً لإصدار دستور للبلاد يستمد أحكامه من ظروفها ويستند إلى المبادئ الديمقراطية، ويستهدف رفاهية الشعب، رسمنا بالآتي...".

ومنذ ذلك التاريخ حافظت الكويت على النهج الذي اختطته لنفسها في نظام الحكم الذي مزج بين الوراثة والمشاركة الشعبية، حيث نص دستورها على أنها إمارة وراثية، لكنه وضع السلطة التشريعية في يد مجلس الأمة، الذي يتكون من خمسين عضواً يتم انتخابهم جميعاً بطريق الانتخاب العام السري المباشر وفقاً لقانون الانتخاب، مؤسسة بهذه التركيبة نظام حكم وراثي دستوري، أقرب ما يكون إلى نظام الملكية الدستورية المعمول به في بعض الدول الغربية ذات الأنظمة الملكية العريقة.

هذه التجربة العربية الفريدة، بنظامها الذي اختاره لها حاكمها الراحل عبد الله السالم الصباح، الذي يطلق عليه الكويتيون ألقاباً كثيرة منها "أبو الاستقلال" و"أبو الدستور"، حافظت على زخم الحركة الديمقراطية فيها عقوداً من الزمن أوشكت أن تكمل الخمسة، وأصبحت نموذجا للممارسة السياسية التي تم اختيارها بالتوافق بين الحاكم والشعب، وتجاوزت عبر مسيرتها هذه منعطفات وعقبات كثيرة، أدت إلى حل مجلس الأمة ست مرات وفقا للصلاحيات التي منحها الدستور للأمير، ورغم كل هذا واصلت الديمقراطية الكويتية مسيرتها، لأن كل ذلك تم تحت مظلة الدستور الذي هو المرجعية الأولى لكل الأطراف، حاكمين ومحكومين.

لهذا نحن لسنا خائفين على جوهر هذه الديمقراطية، طالما أن ممارستها تتم في إطار الدستور المتفق عليه، لكننا خائفون على لحمة المجتمع الكويتي الذي لم يحدث، على مدى تاريخ مسيرته الديمقراطية، أن تم اقتحام "بيت الأمة" فيه من قبل أي طرف، مهما كانت درجة الاختلاف أو نوعه.

المعارضة في الكويت ليست طارئة ولا جديدة على المجتمع الكويتي، بل هي ملح هذا المجتمع ونكهته المميزة، وهي ظاهرة صحية تحسب لصالح النظام قبل المعارضة، وهي سلوك يدعو إلى الإعجاب والاحترام عندما تنحصر بين جدران المجلس، وعندما تتم في إطار الدستور الذي وضع لها القواعد السليمة، لكنها تغدو مصدر خوف وقلق على كيان المجتمع ولحمته عندما تخرج عن هذا الإطار، وتتحول إلى أعمال غوغائية من ذلك النوع الذي شاهدناه في الصور التي وردت إلينا من داخل قاعة عبد الله السالم، التي تبعثرت فيها الأوراق، وتناثرت على أرضها "العقل" بعد أن طارت من فوق "العقول"، ورفعت فيها الكراسي فوق الرؤوس.

واضح أن الخلاف بين المعارضة والحكومة وصل إلى درجة من الاحتقان تجاوزت الحدود التي يمكن التفاهم عليها داخل المجلس وبين جدرانه، وواضح أيضا أن المناخ السائد في العالم العربي يلقي بظلاله على طريقة معالجة هذا الخلاف، ولا يساعد على احتوائه ووضعه في المسار الصحيح، لكن الأكثر وضوحا من هذا كله، هو أن صوت العقل والحكمة غائب عن المشهد الذي لم نعتد رؤيته في كويت الدستور، التي كانت نموذجا للممارسة الديمقراطية التي يتوق إليها كثير من الشعوب العربية.

لا أحد يريد لتجربة الكويت الديمقراطية أن تفشل، وهي لن تفشل بإذن الله، لأنها قائمة على التوافق بين القيادة والشعب، ولأن هناك دستورا ينظمها. كل ما هو مطلوب من الأشقاء في الكويت، هو تغليب صوت العقل على الأصوات الأخرى، فليس أجمل في مثل هذه الظروف من الاصطفاف تحت العلم الكويتي، مرددين نشيدهم الوطني الذي طالما شنف آذاننا "وطني الكويت سلمت للمجد".