المؤشرات العامة كلها تدل على أن القادم غير ما كان، وأن التغيير حاصل لا محالة وأن الإصرار على السباحة ضد التيار مآله إلى الفشل التام. فالماكنة الشعبية بدأت تدور عجلاتها دون القدرة على إيقافها، وإيقافها يشبه إيقاف صخرة تسقط من قمة جبل. الأمر لم يعد في يد رئيس واحد، ولا دولة واحدة، ولا نظام واحد. المسألة خرجت عن إطار النظام الحاكم والرئيس والدولة والنظام بل وعن إمكانيات المنطقة برمتها. وأصبحت تدار من قبل مجموعة من الدول الكبرى رسمت فيما يبدو الخطوط العريضة لمنطقة ستعيش حالة من الفوضى لن تستقر إلا بقرار يأتي من تلك المجموعة متى رأت الوقت مناسبا لذلك.

إن الأوضاع في سوريا خطيرة جدا، وإن طريقة العنف التي رد بها الجيش والأمن على المظاهرات الشعبية فيما يبدو لم تستفد من التجارب التي سبقتها على بعد بضعة أمتار من خطوط المواجهة الشعبية. واختلط الحابل بالنابل، بين النظام الذي يصر على بقائه والمتظاهرين المطالبين برحيله، في تبادل الاتهامات. وفي حقيقة الأمر لا أحد يعرف من أين تجيء النبال والسهام والرشق بالحجارة في معركة يلف بها الغبار من كل صوب. فلا أحد يستطيع أن ينفي أن الجيش استخدم العنف لردع هذه الاحتجاجات. ولا أحد يستطيع أن ينكر بأن المتظاهرين ربما قد لجؤوا إلى تلك الحيلة لتشويه سمعة النظام، ولا أحد يستبعد دخول العملاء الخارجيين بين الفريقين لإشاعة الفوضى. وربما حصل كل ذلك في آن واحد. فلكل من الأطراف الثلاثة مصلحة في إثارة الفوضى واختلاط الأمور.

غير أن النهاية ستكون هي النهاية، وأن الوضع لم يعد ما كان عليه قبل 365 يوما، وأن على النظام أن يقبل سواء كان مذنبا أو غير مذنب بالأمر الواقع الذي يقول إن المنطقة برمتها مقدمة على مرحلة جديدة وتغيير كبير، وأن الربيع العربي لن يترك بقعة واحدة في الوطن العربي جرداء إلا ويأتي عليها بامتداد عشبه وأزهاره وأشجاره وثماره، وأن كل يوم يتأخر فيه النظام في اتخاذ القرار المنقذ مهما اعتمد على القوة لن يطيل من عمره إلا كما تطيل الأجهزة من عمر الميت سريريا.

هذا هو الواقع سواء في سوريا أو اليمن. المسألة تشبه العملية الحسابية المرتبة جيدا وأي تدخل بهدف تغيير نتائجها لن يكون سوى تحايل على المعادلة النهائية.

لقد دخلت سوريا على مر تاريخها الطويل في عدة صراعات داخلية وخارجية تدفع اليوم ثمنها غاليا. على رأسها حروبها مع إسرائيل التي خسرت على أثرها جزءا كبيرا من أراضيها. ثم تلا ذلك دخولها في لبنان والذي تحول مع الوقت إلى شبه إقامة دائمة. ثم جاء دعمها لحزب الله ليشكل شوكة في حلق إسرائيل لم تستطع الأخيرة التخلص منها. وأخيرا معاركها الدموية مع الإخوان المسلمين في سوريا الذين فضلوا الانتقام في اللحظة المناسبة.

واليوم يحتج النظام السوري بأن حروبها مع إسرائيل لم تكن إلا وقوفا وتضحية خالصة مع الشعب الفلسطيني الذي سلبت حقوقه، وأنها لم تكن طرفا وحيدا في المعركة وإنما كانت بجانب أشقائها في مصر والأردن على خط المواجهة في حرب مصيرية كان لا بد أن تقع، وأن ما خسرته في معاركها مع إسرائيل لا يمكن تعويضه، وأن الدول العربية لم تقف معها بعد ذلك لإرجاع حقوقها وتركوها تواجه عدو العرب والمسلمين دون معين.

وأنها رفضت الاستسلام والتنازل والخضوع للشروط الغربية والإسرائيلية تحت شعار الكرامة العربية، واليوم يشعر النظام السوري كما تبثه أجهزة إعلامه بالمرارة والخيانة من الموقف الفلسطيني ومن أشقائه العرب تجاه الأحداث الداخلية التي تعصف بالنظام الذي بذل في الماضي الغالي والنفيس لخاطر عيني الفلسطينيين والعرب. بل ويشعر بمرارة أكبر من الجامعة العربية التي تركته وحيدا فريسة سهلة لمخططات الغرب وإسرائيل. لا شك أن سوريا ارتكبت عدة أخطاء في سياساتها الخارجية.

دخولها لبنان وإن كان قد بدأ بشكل طبيعي لوضع حد للمعارك الدموية الدائرة بين الإخوة الأعداء، إلا أن استمرار البقاء هناك أثار شكوكا كثيرة بخصوص نواياها السياسية. في الوقت الذي كان ذلك الوجود يضايق إسرائيل في الجنوب ومصالح الأوروبيين في الغرب. ثم اختارت سوريا خطا أحمر في تحالفها مع جمهورية إيران الإسلامية.

وهي تدرك جيدا بأن هذه الجمهورية لا تربطها بها أي منفعة سوى أنهما يقعان في دائرة المغضوب عليهم. وحيث إن عدو عدوي صديقي، تحول هذا التحالف مع الوقت إلى صداقة. والحقيقة أننا لا نستطيع لوم سوريا على مثل هذه المواقف، فلم يكن أمامها من خيار آخر، أو أنها (على مبدأ أبعد عن الشر وغني له) تعترف بإسرائيل وبالاحتلال وبممارسات دولة إسرائيل في المنطقة وتخضع للشروط الغربية وتتنازل متى طلب منها حتى تصبح في دائرة المرضيين عنهم. ولا نعرف لماذا اختار النظام السوري دون غيره من الأنظمة العربية - الاتجاه المعاكس؟

سوريا لعبت دورا كبيرا في تاريخ المنطقة على المستوى الخارجي. ولا أحد ينكر مواقفها ودورها حتى مع الغزو العراقي للكويت. وفي الحل في لبنان. وفي حروبها مع إسرائيل. وكانت تحتفظ بعلاقات جيدة مع الدول العربية وكانت من أكثر الدول العربية دعما للقضية الفلسطينية.

واليوم يرى النظام نفسه في ورطة مع نفسه وفي وضع خيانة من قبل أشقائه. ولأول مرة في تاريخ المنطقة نسمع بطلب الدول العربية سحب سفرائها من دولة عربية.

ولأول مرة نسمع بتعرض سفارة عربية في دولة عربية للاعتداء كما حدث لسفارة الإمارات في دمشق! ولأول مرة نقرأ قرارا عربيا موحدا ضد دولة عربية عضو في الجامعة العربية. إن موقف النظام السوري اليوم يثير العديد من التساؤلات والعديد من المخاوف. الخوف أن يجري على دولة عربية أخرى ما يجري على سوريا، وأن يجمع العرب مرة أخرى على سحب سفرائها منها وتصبح الدولة التي تقف مع هذا القرار اليوم هي التي ستعاني منه غدا.

وألا تنتقم بعض العناصر الموالية للنظام والمنتشرة في جميع أنحاء الوطن العربي بطريقة بشعة جدا فيما لو سقط نظام البعث السوري. وألا تتحول سوريا بعد سقوط النظام إلى فوضى عارمة تجتاح المنطقة برمتها. وأن تتحول الفوضى إلى فرصة ذهبية لإسرائيل لاحتلال لبنان بذريعة حماية حدودها من هجمات حزب الله. وأن تبدأ الضربة الأولى على إيران التي ستحول بدورها المنطقة إلى كرات من لهب.