لاشك ان مصر ستظل لفترة طويلة تدفع ثمن الإدارة السيئة لفترة الانتقال، والتي أوصلت البلاد قبل أسبوع واحد من أول انتخابات برلمانية بعد الثورة إلى مأزق صعب. فلا أحد يعرف كيف تتم الانتخابات وسط هذا التردي الأمني الذي تصاعد بصورة خطيرة في الأسابيع الأخيرة، ولا أحد يعرف كيف سيتم تجاوز الانقسامات الحادة بين القوى السياسية وغياب التوافق حول تصور محدد لدولة المستقبل. وفي ظل المخاوف التي تتزايد يوماً بعد يوم يصبح الرهان على أن تكون الانتخابات (حتى لو اكتملت) مفتاحاً لعودة الاستقرار رهاناً بعيد الاحتمال!
ما أبعد الصورة الآن عما كانت عليه غداة سقوط النظام السابق قبل تسعة شهور. كانت الآمال في السماء، والثقة بالغد في أوجها، والتوافق بين مختلف الفصائل السياسية يغطي على المشهد، وفرحة الناس بالجيش الذي انحاز للثورة وحسم الموقف فرحة لا توصف، ووجود القيادة العسكرية في السلطة يحظى برضا الجميع.
ورغم اكتشاف مختلف الأطراف بعد ذلك أن التركة التي خلفها النظام السابق ثقيلة للغاية، وأن حجم الفساد كان مهولاً، وأن عبء الإصلاح لن يكون سهلًا، رغم ذلك كله فإن حماس الشعب بكل طوائفه، والتأييد العربي والعالمي للثورة كان يعطي الثقة بأن أسوأ الأيام قد ولت، وأن مصر ستعبر بسرعة كل أزماتها وتبني النظام الذي تستحقه. لكن تسعة أشهر من الارتباك والإدارة السيئة وغياب الرؤية السياسية بددت الكثير من الآمال، وجعلت مصر تقبل على أول انتخابات بعد الثورة وسط حالة كاملة من عدم اليقين، الانفلات الأمني مازال سائداً، والاحتجاجات الفئوية تنتشر وتتزايد، والتراجع الاقتصادي يترك آثاره على المواطن في كل مكان.
والانقسام السياسي كارثي لأنه بين رؤيتين لا تلتقيان بسهولة واحدة تدعو للدولة الدينية، والأخرى تتمسك بمدنية الدولة، وعدم الثقة نسف كل محاولات مد الجسور بين التيارات السياسية المتصارعة، والسلطة العسكرية التي كانت محل تأييد الجميع أصبحت موضع اتهام وشكوك بسبب الارتباك وسوء الأداء بسبب عدم امتلاك الخبرة السياسية اللازمة للتعامل مع أوضاع الفترة الانتقالية الخطيرة.
وهو أمر لا يهدد فقط بفقدان عنصر الاستقرار الوحيد في مصر الآن، بل يفتح الباب أيضاً لمخاطر تتحسب لها قيادة الجيش المصري وهي ترتب المشهد على حدود مصر كلها ولا تريد أن تشغلها صراعات الداخل عما يمكن أن يكون مخططاً من قوى الخارج. ولاشك أن الضجة التي ثارت حول وثيقة الدكتور السلمي نائب رئيس الوزراء والتي تعكس بالطبع رؤية الحكومة والمجلس العسكري، تكشف عن عمق الانقسامات وجسامة الشكوك التي تخيم على الحياة السياسية في مصر.
فالقوى المؤمنة بالدولة المدنية تخشى من انفراد الأحزاب الإسلامية بتشكيل لجنة الدستور وبالتالي فرض رؤيتها التي تعلنها بالسعي لإقامة الدولة الدينية في مصر. بينما تتخوف الأحزاب الإسلامية من سيناريو شبيه بتجربة الجزائر يحرمها من حقها في الحكم إذا فازت بالانتخابات. وبينما لا يطمئن الفريقان إلى أن المجلس العسكري سيترك السلطة بسهولة، تريد قيادة الجيش أن تطمئن على مكانتها بعد تسليم السلطة، وتخشى من حكم يورطها فيما لا تريد، ومن كشف أسرار ترى أنها لا يجب - تحت أي ظرف أن تكشف!
الآن، وبعد فوات الأوان، تدرك الحكومة والمجلس العسكري حجم الخطأ الذي وقعا فيه وأوقعا البلد كلها معهما حين رفضا ما طلبته القوى الوطنية بأن تكون الأولوية في العملية السياسية مع الفترة الانتقالية لوضع الدستور الجديد، حتى يمكن استغلال حالة التوافق الوطني التي كانت سائدة بعد الثورة، وحتى يتم البناء السياسي على أسس متينة. وتم تمرير الترتيبات الحالية بإعطاء الأولوية للانتخابات البرلمانية قبل وضع الدستور من خلال استفتاء مارس الماضي، لتدخل البلاد على النور أجواء الانتخابات دون تحضير، وتنقسم الصفوف، وتتوارى أهداف الثورة أمام السعي للاستحواذ على مقاعد البرلمان.
الوثيقة التي طرحتها الحكومة والمجلس العسكري والتي أصبحت معروفة باسم وثيقة السلمي جاءت متأخرة وفي أجواء الانتخابات، وما تضمنته من بنود حول سلطات الجيش وسّع دائرة معارضتها. وبغض النظر عن مصير الوثيقة، وما إذا كانت ستمر أم لا، وهل ستكون ملزمة أم استشارية، فإن المعركة حولها وما تكشفه عن الواقع والمستقبل هو الأهم. إن كل ما يهم الأحزاب الإسلامية الآن هو ألا تتعطل الانتخابات، وبالتالي فهم سيضعون لمعارضتهم حدوداً، واعتماداً على أن فوزاً متوقعاً لهم في الانتخابات سيضعهم في مركز أقوى، خاصة بعد رفع «الفيتو» الأميركي عنهم وتأكيد واشنطن على أنها ستتعاون معهم إذا فازوا في الانتخابات، وتأييدها تسليم السلطة للمدنيين في أسرع وقت.
ولكن المؤشرات الآن تقول إن المعركة ستطول، وان الانتخابات ربما تخلق أوضاعاً أكثر تأزماً، حيث ستنتقل سلطة التشريع إلى البرلمان المنتخب، بينما تبقى السلطة التنفيذية وسلطة رئيس الجمهورية في يد المجلس العسكري، وما لم يكن هناك توافق بين الجانبين فسنشهد فترة من الصراع لا تتحمله الأوضاع في مصر، وربما نجد أمامنا وضعاً يتعذر فيه تشكيل الحكومة، حيث ان اختيار رئيسها وتشكيلتها هي من اختصاص رئيس الجمهورية وليس من اختصاص الأغلبية في البرلمان التي يمكن لها فقط عدم منح الثقة للحكومة وإسقاطها.
لكن الأخطر بعد ذلك هو أن الانتخابات لن تأتي ببرلمان الثورة، وأن شباب الثورة لن يكونوا ممثلين فيه إلا في أضيق نطاق، وأن المرأة ستكون مجرد استيفاء للشكل أو «كمالة عدد» وأن الأقباط أيضاً سيغيبون عن المشهد البرلماني، فكيف ستكون ردود الفعل خاصة حين ينعكس تشكيل البرلمان على اختيار اللجنة التي ستضع الدستور القادم؟
والأكثر خطورة أنه بعد انتهاء مولد الانتخابات سيجد الجميع أنفسهم أمام أوضاع اقتصادية صعبة، وأمام فرقاء لم يقدم أي منهم في الانتخابات رؤية جديدة لتخطي الأزمة وبناء المستقبل.