أربعون عاماً، هي عمر دولة الإمارات العربية المتحدة، كانت البداية صعبة جداً، آخذين بعين الاعتبار أن البنية التحتية والفوقية كانت تحتاج إلى عمل جبار حتى تواكب متطلبات الدولة الحديثة.

كان التلاحم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي بين الشعب والسلطة السياسية عاملاً مهماً لعملية البناء والتطوير، فقد ساهم التخلف بمفهومه الشامل لتفعيل السياسة البريطانية، والتي اعتمدت على مبدأ فرق تسد، إضافة إلى المعاهدات الجائرة والتي حالت دون التواصل مع الأمة العربية والإسلامية وحتى دول العالم المتخلفة. كان شعب الإمارات يدرك أهمية التعليم والثقافة وكانت إذاعة صوت العرب. المتنفس الوحيد في الحلم من خلال البرامج المختلفة. وأيضا حركات التحرر في أجزاء مختلفة من الوطن العربي وخاصة في جنوب الجزيرة العربية (اليمن).

المجتمع يخلق المؤسسات التي تساهم في خلق التفاعل الثقافي، والنخبة تجد آليات بتحقيق أحلامها. ومن هنا كانت المدارس في العقد الخامس من القرن الماضي، تؤدي الدور التعليمي والثقافي وتفرز روح المواطنة بالرغم من كل المعوقات. ويتبادر للذهن سؤال حول الوضع الثقافي في مرحلة ما قبل الاتحاد، وكيف يحصل الإنسان على وسائلها المختلفة، سواءً المقروءة أو المسموعة أو المرئية لاحقاً. كان المعلم أو الأستاذ ذا مكانة اجتماعية، يحترمه الكبار والصغار، الأعيان وعامة الناس، وذلك انطلاقاً من مقولة «كاد المعلم أن يكون رسولا».

وتعددت جنسيات المعلمين الأوائل، منهم من قدم من مصر وسوريا وفلسطين والعراق، ومن هنا كانت توجهاتهم الإيديولوجية متنوعة ومتعددة، إلا أن الذي يجمعهم هو تعليم أبناء الإمارات، فالمدرس كان المربي والأستاذ، وهو يحترم مهنته في محاربة الأمية والجهل، انطلاقا من أن العلم هو قاتل الظلام والتخلف، وأن الأمم الراقية هي التي تحترم التعليم وتقدر أصحابه.

لقد سافر العديد من أبناء الإمارات إلى الكثير من الدول سواءً الخليجية أو العربية، وحتى الأجنبية لتلقي العلم، فلا عجب أن يكون الدكتور سالم المحمود تلقى تعليمه في الاتحاد السوفييتي، وأحمد السويدي في قطر، وبعدها إلى القاهرة، والعديد منهم إلى بلاد الشام.

إن أولئك الذين هاجروا من أجل العلم والتعلم هم الذين اعتمدت عليهم الدولة الاتحادية في بداية تشكلها، واحتلوا مناصب قيادية، وعملوا بجد وبجهد في ترسيخ الدولة آخذين بعين الاعتبار البعد والعمق العربي الإسلامي للدولة.

وكانت القيادة المؤسسة للاتحاد متمثلة بأصحاب السمو حكام الإمارات العربية المتحدة تعتمد على أولئك الأبناء البررة، بالرغم من اختلاف توجهاتهم السياسية والاجتماعية لتلك النخبة المتعلمة.

لقد لعب المغفور لهما الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، وإخوانهما أعضاء المجلس الأعلى للاتحاد دوراً في توفير كل السبل لإنجاح العمل لأولئك المتعلمون.

لقد استطاعت حصة العسيلي أن تعرف العالم بدولة الإمارات من خلال المعارض الدولية، وغيرها كثيرون من بنات الإمارات. كانت دولة الإمارات وما زالت من دول عدم الانحياز، وعضواً فعالاً في المؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة، وتؤمن بالحلول الدبلوماسية لحل المشاكل سواء مع جيرانها. مثل قضية الجزر المحتلة على سبيل المثال.

كانت فترة السبعينات والثمانينات شعلة من النشاط على كافة الأصعدة والمجالات، لذلك لا عجب أن نجد بروز الصحافة والتلفزيونات التي تمتعت بمستوى عالٍ من الحرية، لقد كانت حرية مسؤولة، وكان يدرك أبناء الإمارات في ذاك الزمان دورهم في ترسيخ دولة المؤسسات، والمحافظة على استقرار وحدة الاتحاد، هذه وقد تم منذ بداية تأسيس الدولة الاتحادية الأخذ بمبدأ توزيع المهام، فقد قامت أبوظبي بمتابعة الأمور السياسية للدولة، بما فيها ما يتعلق بالعلاقات الخارجية. أما دبي فقد اتخذت الدور التجاري، حيث إنها على مدى ما يزيد على سبعة عقود، أي منذ ثلاثينات القرن الماضي، أخذت بالتركيز على الجانب التجاري، فهي مدينة التجارة، خاصة في إعادة التصدير إلى دول الجوار، اعتماداً على العلاقات بين النخبة التجارية ودول الجوار، أما الشارقة فقد ركزت على الجانب الثقافي في كافة المجالات، والإمارات الأخرى تعتمد على الثلاث في العديد من المجالات. ومن هنا فإن استمرار الوحدة الاتحادية، ما هي إلا نتيجة لوضوح الرؤية وتوزيع الأدوار. وتعتبر إمارة الفجيرة ورأس الخيمة الميناء الاستراتيجي في حال عدم الاستقرار في المنطقة.

ولعل الندوة التي عُقدت في مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت دليل على ذلك، والتي تم فيها مناقشة تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة بحرية تامة سواء في إبراز الإيجابيات، ووضع حلول للسلبيات انطلاقا من حب الوطن، والقيادة السياسية للدولة.

وأخيراً في الذكرى الأربعين للاتحاد نقول إن تعزيز الدولة الاتحادية هو مهمة الأمس واليوم وغداً.