ترتبت على الاحتلال الأميركي للعراق قضايا كثيرة متشعبة، بعضها سياسي وبعضها الآخر اقتصادي أو اجتماعي أو أمني أو غير ذلك. ولم تقتصر تأثيرات هذه القضايا على الساحة العراقية فحسب، بل تجاوزتها لتسبب قلقاً وأرقاً لدى دول المنطقة، دفع بعضها للتدخل في الشأن الداخلي العراقي، مسهمة بذلك في تمزيق لحمته الهشة. فمنذ الاحتلال الأميركي للعراق، نزح مئات الآلاف من العراقيين وتشردوا في دول عديدة، وفي الوقت نفسه شهد العراق هجرة من نوع آخر لم تكن معروفة من قبل، وهي هجرة داخل الوطن والاضطرار للانتقال من مكان غير آمن إلى آخر أكثر أمناً، تمهيداً لرسم خارطة جغرافية طائفيةً. في مقابل ذلك لم يتمكن النظام الجديد من توفير فرص حقيقية لعودة الملايين من العراقيين الذين غادروا الوطن في عهد النظام السابق، على الرغم من أن ضمن هؤلاء عشرات الآلاف من الكفاءات المتميزة في شتى المجالات التي يحتاجها العراق لإعادة البناء.
أمضى الاحتلال الأميركي ما يقرب من تسع سنوات في العراق، أشرف خلالها على بناء الدولة العراقية الجديدة، ونسج علاقات على مستويات مختلفة مع مختلف شرائح المجتمع العراقي، وحظيت قواته وسياساته بدرجات متفاوتة من الترحيب ومن النفور في الوقت نفسه، لأسباب ومقاربات متعددة ومتناقضة، بين من اعتبر هذا الاحتلال تكرارا للنهج الاستعماري الذي ذاقت منه الشعوب الأمرين في الماضي، وبين من اعتبره عملية تحرير من طغيان حاكم عجز الشعب عن إزاحته والتخلص منه.
وها هي قوات الاحتلال توشك أن ترحل عن العراق، مخلفة وراءها معادلات اتزان متنوعة، من المستبعد جداً أن تتغير على المستوى السياسي الاستراتيجي، لكنها قد تتغير على مستويات أخرى غير مهمة للولايات المتحدة لكنها كذلك لآخرين، أفرادا وجماعات.
تترتب عادة على دولة الاحتلال مسؤوليات محددة نحو الدولة التي احتلتها ونحو شعبها، وفق الاتفاقية الدولية التي تعرف باتفاقية جنيف. والحقيقة أن هذه الاتفاقية ليست واحدة، وإنما هي أربع اتفاقيات صيغت الأولى منها عام 1864 وصيغت الأخيرة عام 1949. وهي اتفاقيات تتعلق بحقوق الإنسان الأساسية في حالة الحرب، حيث تتناول طرائق الاعتناء بالجرحى والمرضى والأسرى، وحماية المدنيين الموجودين في ساحات المعارك أو القريبين منها. وقد ترتب على تنفيذ بعض بنود هذه الاتفاقية تشكيل منظمات إنسانية، مثل منظمتي الصليب الأحمر والهلال الأحمر. وقد أدمجت هذه الاتفاقيات الأربع لتصبح اتفاقية واحدة، وأضيفت لها ثلاثة بروتوكولات في عامي 1997 و2006. وقد انضمت إلى هذه الاتفاقية 190 دولة، أي معظم دول العالم.
سجل الحروب، بلا استثناء، لا يخلو من انتهاك لمعاهدة جنيف، سواء كانت الدول المحاربة دولاً متقدمة أو دولاً نامية، وقد كانت الولايات المتحدة باعتبارها الدولة الأكثر خوضاً للحروب على مستوى العالم منذ الحرب العالمية الثانية، محط اهتمام المنظمات الدولية حول مدى التزامها باتفاقية جنيف. فهي، على الرغم من كثرة تصريحات سياسييها حول الديمقراطية وحقوق الإنسان، لم تكن سلوكياتها في معظم الأوقات فوق مستوى الشبهات، فقد سُجلت ضدها خروقات كثيرة لهذه الاتفاقية، وليس ما جرى في سجن أبوغريب في العراق في الفترة التي أعقبت الاحتلال ببعيد عن الذاكرة.
بعيداً عن التداعيات السياسية للانسحاب العسكري الأميركي من العراق، والذي حظي باهتمام الكثيرين وكتب عنه الكثير، هناك تداعيات من نوع آخر لم تسلط عليها الأضواء. فاتفاقية جنيف لا تشير من قريب أو بعيد إلى مسؤولية الدولة المحتلة نحو من يتعاون معها من أبناء البلد المحتل، أو نحو الذين وجدوا في قوات الاحتلال مبعث أمان واطمئنان على حياتهم ولم يخفوا تعاطفهم مع المحتل ومع بقاء قواته. وهذه قضايا قد لا تجد الولايات المتحدة نفسها ملزمة بإعارتها ما تستحقه من اهتمام وفق الاتفاقية الدولية، على الرغم مما يترتب على ذلك من مسؤوليات أخلاقية.
فهناك الآلاف من العراقيين وعائلاتهم ممن تعاونوا مع القوات الأميركية في قضايا أمنية ولوجستية، بهذا الشكل أو ذاك، في ظروف يكتنفها الكثير من التعقيد، يشعرون بعدم الأمان عند رحيل هذه القوات، وليس من المستبعد أن يصبحوا مستهدفين من قبل من رفع السلاح ورفض، ولا يزال، العملية السياسية القائمة. كما أن هنالك أقليات دينية وعرقية وجدت في القوات الأميركية حامياً لوجودها وأمنها، في ظروف استهدفت فيها بعنف وأجبر العديد من أبنائها على الهجرة إلى خارج العراق أو النزوح إلى أماكن أكثر أمناً، هي الأخرى تشعر بالقلق لرحيل هذه القوات. هذا إضافة إلى القلق الذي يساور اللاجئين الذين عاشوا في العراق منذ عهد النظام السابق، خاصة الفلسطينيين والإيرانيين الذين ينتمون لمنظمة مجاهدي خلق، الذين لا يكن لهم النظام الجديد في العراق أي ود أو تعاطف. كما ينسحب الشعور بالقلق وعدم الأمان إلى عدد كبير من الشركات والمقاولين الذين ارتبطوا بعقود مع الولايات المتحدة ومع الدول الحليفة الأخرى، لتنفيذ بعض المشاريع أو القيام بتجهيز الخدمات أو المواد الغذائية.ولمعالجة الإشكالات هذه، عمدت الولايات المتحدة إلى تسهيل إجراءات حصول عدد من العراقيين الذين تعاونوا معها بشكل مباشر، على تأشيرة الدخول لأراضيها مقدمة لتوطينهم هناك. أما الآخرون من العراقيين ومن الجنسيات غير العراقية، فمصائرهم يعتريها الكثير من الإشكاليات. فمن تجارب الماضي لم تتردد الولايات المتحدة في التخلي عن حلفاء كبار لها وتركهم لمصائرهم، وانسحابها من العراق سيجر وراءه تبعات كثيرة، بعضها خطير على حياة الكثير من هؤلاء الذين تعاونوا معها وأصبحوا جزءاً من وجودها الاستراتيجي في العراق، في ظل ظروف لا تستطيع فيها الحكومة العراقية، بسبب ضعفها، توفير الأمن والحماية لهم.
كاتب عراقي