السؤال الأكبر المطروح في أميركا هذه الأيام، هو عن كيفية إنعاش الاقتصاد. والسؤال الأكبر المطروح بين الناشطين الذين يحتلون وول ستريت وعشرات المدن الأخرى حالياً، هو كيف يمكن الرد على حالة التركيز غير المسبوقة للدخل والثروة والسلطة السياسية في يد فئة الـ1% الأعلى في أميركا؟

هذان السؤالان مترابطان؛ ففي ظل تركز الكثير من الدخل والثروة في يد الطبقة الأعلى في أميركا، لم تعد الطبقة المتوسطة الكبيرة، لديها القدرة الشرائية للحصول على ما يمكن للاقتصاد إنتاجه (كان من الممكن أن يتظاهر الناس بخلاف ذلك، طالما أنهم يمكنهم التعامل مع منازلهم كأجهزة الصراف الآلي، لكن زمن الاقتراض ولّى عندما انفجرت فقاعة الإسكان في عام 2008).

والنتيجة هي ركود ممتد، وارتفاع معدلات البطالة بقدر ما تستطيع العين رؤيته. فقد أعلنت وزارة العمل الأميركية، مؤخراً، عن 80 ألف وظيفة جديدة في أكتوبر الماضي. لكن هناك حاجة إلى أكثر من 100 ألف وظيفة، لمجرد مواكبة النمو في عدد الأميركيين ممن هم في سن العمل، وتواصل أجور معظم الناس التراجع. وإلى أن نعكس هذا الاتجاه نحو عدم المساواة، لا يمكن أن يتم إحياء الاقتصاد.

لكن السؤال الأكبر في واشنطن الآن، لا علاقة له بأي من ذلك. فالأمر يتعلق بما إذا كان ما يسمى "اللجنة العليا" للكونغرس، المؤلفة من ستة أعضاء ديمقراطيين وستة جمهوريين، المكلفة بتوفير 1.2 تريليون دولار من وفورات في الميزانية، سوف تتوصل إلى اتفاق في الوقت المناسب لمكتب الميزانية في الكونغرس، لتسجيل اقتراحها، والذي يجب عندئذ الموافقة عليه من الكونغرس قبل الثالث والعشرين من ديسمبر المقبل، من أجل تفادٍ تلقائي لما يقدر بـ1.5 تريليون دولار من مدخرات الميزانية، التي تتطلب تخفيضات شاملة تبدأ اعتبارا من عام 2013. هل أصابتكم الدهشة إزاء ذلك؟

أبدى الديمقراطيون في اللجنة العليا بالفعل استعدادهم لخفض الرعاية الطبية والضمان الاجتماعي، وغيرها من الخدمات التي يعتمد عليها الأميركيون. الصفقة يعرقلها الجمهوريون الرجعيون، الذين يرفضون زيادة الضرائب على الأغنياء، ولو بمقدار أنملة.

يردد معظم المعلقين في أميركا خرافة، مفادها أن أكبر مشكلة في الاقتصاد الأميركي هي العجز في الميزانية على المدى الطويل. فهم يحثون الديمقراطيين على المزيد من الخفض في شبكات السلامة، ويحثون الجمهوريين على الموافقة على الزيادات الضريبية.

في الوقت نفسه، يخطب الرئيس الأميركي باراك أوباما في الناس، في محاولة للترويج لـ"مشروع قانون الوظائف"، الذي من شأنه، حسب تقديرات البيت الأبيض، أن يوفر أقل قليلاً من مليوني وظيفة. إلا أن 14 مليون شخص الآن عاطلون عن العمل، وهناك 10 ملايين شخص آخرين يعملون بدوام جزئي وكان الأولى بهم العمل في وظائف بدوام كامل. لكن الجمهوريين صوتوا ضد هذا المشروع. لم تكن الفجوة بين واشنطن وبقية المدن الأميركية على هذا النحو من الاتساع، منذ أواخر عقد الستينات من القرن الماضي.

العالمان على مسار تصادمي، فالأميركيون الذين يفقدون وظائفهم أو رواتبهم ولا يمكنهم دفع فواتيرهم، يزدادون بؤساً. فالمطلعون على الأمور في واشنطن، وصقور العجز، والجمهوريون الرجعيون، والديمقراطيون الخجولون، والخبراء الأساسيون، وجماعات الضغط المتأنقة، والرعاة الأثرياء لجماعات الضغط في وول ستريت، لا يدركون من الأمر شيئاً، أو لا يهتمون على الإطلاق.

لا أستطيع أن أقول لكم متى سيحدث الاصطدام، ولكني أعتقد أنه سيحدث في عام 2012.

انظروا في أماكن أخرى حول العالم، وسوف ترون تصادماً مماثلا يتكشف بين احتياجات أناس متوسطين، وبين مطالب القطاع المالي لخطة تشقف حكومية. ترون ذلك في إسبانيا التي يملأ مواطنوها الشوارع، وفي اليونان التي يخضع مواطنوها للتقشف من قبل المصرفيين، وفي إيطاليا التي يستشيط شبابها غضباً بسبب نقص الفرص. ترونه في تشيلي وشبابها الغاضب بسبب ارتفاع نفقات التعليم وفرص العمل المحدودة، وفي إسرائيل التي ضاق مواطنوها ذرعاً من ارتفاع أسعار الغذاء ونفقات التعليم والإسكان، وفي الصين التي يطالب عمالها الشباب والعاملون بالدوام الجزئي بالمزيد، حيث تتصاعد حالة اللامساواة التي يعانون منها، بالقدر نفسه الذي تلهث بلادهم وراء الرأسمالية الحديثة.

وهناك ارتفاع في عدد الشباب العاطلين على العمل، وهي وصفة مؤكدة للاضطرابات. ففي أميركا، هناك 17% ممن هم دون سن الخامسة والعشرين، لا يجدون عملاً. وفي أوروبا تتجاوز النسبة الـ20%، وفي إسبانيا تصل إلى أكثر من 46%. وفي الكثير من الدول النامية، تتراوح نسبة البطالة في صفوف الشباب من 30% إلى 50%. غير أن قواعد التقشف هي المهيمنة طوال الوقت، فالبنوك تطالب بها، بينما يتواصل ارتفاع الرواتب والمكافآت التي يحصل عليها الرؤساء التنفيذيون والمصرفيون.

فهل سيسجل عام 2012 تراجعاً تاريخياً مثل السنوات الأخرى التي هزت أسس الاقتصاد السياسي في العالم، لا سيما عامي 1968 و1989؟

لا تزال حركة "احتلوا وول ستريت" في مهدها في الولايات المتحدة، وليست لدي فكرة عما إذا كانت الخيام التي نصبت على امتداد الكثير من المدن الأميركية سوف تتحمل برودة الشتاء. لكن المظالم التي حركت هذه الاحتجاجات سوف تتزايد.

في أميركا، كما هي الحال في أماكن أخرى، الناس غاضبون على ما يبدو مثل لعبة مزيفة، بسبب اقتصاد لا يستجيب، وديمقراطية لن تنصت، وقطاع مالي يمسك بكل الأوراق.