قضيت ثلاثة أسابيع في هذا الصيف جائلاً ألمانيا بزواياها الأربع، اطلعت خلالها على ألمانيا الموحدة بشقيها الغربي والشرقي، وبنظامها الاتحادي الشبيه بما هو موجود في دولة الإمارات الشقيقة. وهذه ليست الزيارة الأولى، إذ إنني قد زرت ألمانيا لمرات عديدة في السنوات الأخيرة، لحضور مؤتمرات علمية أو لتوقف مؤقت في مدينتها التجارية فرانكفورت. وقد كنت زرتها أيام الشباب حينما كانت منقسمة إلى دولتين متعاديتين، قبل ثلاثة عقود ونصف، وتحديداً في العام 1975.

رجعت إلى برلين الموحدة، التي لم أزرها طيلة هذه المدة الطويلة، فألفيتها مدينة مختلفة، خاصة في جزئها الشرقي، حيث تداخل البناء الجديد مع تلك المباني التي قاومت التغيير وبقت مخلصة لإرث "جمهورية ألمانيا الديمقراطية"، الاسم الذي كان يطلق على القسم الشرقي للبلاد. أبصرت برلين وقد تحولت إلى "ورشة عمل" كبيرة، إذ إن ثمة نزعة "إمبراطورية" قوية في وجدان الشعب الألماني، تدفعهم إلى إعادة بناء تلك المباني التاريخية التي دمرها قصف الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، أو التي رممت على عجل بعد أن وضعت الحرب أوزارها كي تسد النقص.

وقد يقول قائل: من أين لهؤلاء خرائط تلك الأبنية؟ هنا يكمن سر التقدم والرقي، إذ إن بعضها قد نجا من القصف، والبعض الآخر موجود في "الكتالوجات" التي كانت تنشر فتقتنيها مكتبات العالم، لأن تلك المباني هي من التحف النادرة التي شيدتها أيادي أشهر البنائين الأوروبيين.

وتمتلئ برلين خاصة وألمانيا عامة، بالمتاحف التاريخية وتلك المتعلقة بأحداث الحرب العالمية الثانية، ومتاحف التاريخ الطبيعي والتطور الصناعي. وأكاد أجزم أن لكل علامة من العلامات الصناعية، كمرسيدس مثلاً، متحفها الخاص بها، والذي يحكي تطور سلعها وبضائعها ومنتجاتها منذ بداية التأسيس إلى الوقت الحالي. وقد اهتممت بزيارة متحفين في برلين، قضيت في كل واحد منهما الساعات الطوال، أما الأول فهو يحكي أحداث الحرب العالمية الثانية، وقد بني على أنقاض مبني "الغستابو"، أي البوليس الألماني السري الذي ارتكب الفظائع، والآخر متحف التاريخ الطبيعي الذي يحوي أقدم الديناصورات وأكبرها حجماً، والتي جلب رفاتها العلماء الألمان 1912، والبالغة 250 طناً، من منطقة جبال تنزانيا، والتي كانت تخضع لهم آنئذ.

ومن المناظر التي أدهشتني والتي أود إهداءها لبلدية دبي، وهي بلدية رائدة في التنظيم والتنسيق والاهتمام بالبيئة، موقف السيارات القريب من متحف "الغستابو". وموقف السيارات ذاك عبارة عن حديقة فيها أشجار باسقة، تتشابك أغصانها مشكلة غطاء كاملاً لمجمل مساحة الموقف، دون الحاجة إلى مظلات من الحديد و"الكيربي" وغيرهما. وأظن أن تلك فكرة جميلة، فالخضرة تضفي على المكان رونقاً وجمالاً، فضلاً عن أنها تؤدي غرض التظليل إلى جانب أنها تحافظ على نقاء البيئة.

لكن برلين ليست كل ألمانيا التي زرتها، ولا هي أجمل مدينة فيها، فأجملها هي ميونخ الواقعة في الجنوب، وهامبورغ الواقعة في الشمال، والتي تعد الميناء الرئيسي لألمانيا. أما فرانكفورت فهي مدينة تجارية أو لنقل "أرض معارض"، فهي تنظم العشرات من المعارض العالمية، وما يهمني منها هو معرض الكتاب الذي ينظم أول الخريف، ويستقطب الآلاف المؤلفة من الزوار والمئات من الناشرين.

ويلحظ الزائر لألمانيا الوجود المكثف للأجانب، من أتراك وأفارقة ومن دول أوروبا الشرقية كبولندا مثلاً. ووجود هذا العدد من الأجانب الذين يمتهنون الأعمال الخدمية، كالنظافة والطهي في المطاعم وغيرها، يجعل من الألمان شعباً غير مرحب بالأجانب، سواء كانوا مقيمين أم سائحين. غير أنني قابلت الكثير من الألمان ومن مختلف الأعمار في غاية الترحيب واللطف، خاصة إن علموا أنك من السائحين ومن بلدان الخليج العربي.

وكنت أجول ألمانيا من مدينة لأخرى بواسطة القطارات، حيث كنت أستخدم الرحلات النهارية لكي أرى أكبر قدر من مناظر هذا البلد المهم، فلاحظت، فيما لاحظت، دأب الألمان على التحول إلى الطاقة النظيفة، والتخلص من الطاقة النووية بحدود العام 2022. ففي هامبورغ وبينها وبين برلين، شاهدت آلاف المراوح الضخمة التي تستغل طاقة الرياح لتحويلها إلى كهرباء. وكلما اتجهت جنوباً من برلين إلى ميونخ، زادت مناظر الألواح السوداء التي تلتقط أشعة الشمس، بعضها قد نصب على أسقف المنازل المائلة، والأخرى على الأرض، لتشكل "مزارع للطاقة الشمسية". وتحول ألمانيا إلى الطاقة النظيفة يستحق منا وقفة أخرى لنتناوله بالتفصيل.

ومن الغرائب التي رأيتها في ألمانيا في هذه الرحلة بالذات، "غزو" البضائع الصينية لعقر دارها! وأقول من الغرائب، لأن ألمانيا إلى قبل سنة أو نيف كانت الثانية من حيث التصدير عالمياً، ثم بزّتها الصين لتحتل تلك المرتبة. غير أن البضائع الصينية هناك هي بمواصفات أوروبية.

وأخيراً وليس آخراً، أقول إن ألمانيا تبهر زائريها بنظافتها ونظامها والتقدم الصناعي التي توصلت إليه، وبمحاولتها الدؤوبة الآن للتحول إلى الطاقة النظيفة.