بعض حافلات النقل العام صارت تعلق ستائر زرقاء بطول الحافلة، احتراما للتعاليم الدينية التي تقضي بالفصل بين النساء والرجال، فالنساء يجلسن في ناحية والرجال في الأخرى. وفي المجلس النيابى، وبينما الناس تعاني من أوضاع اقتصادية بائسة، انشغل الأعضاء بأمر اعتبروه أكثر أهمية بكثير. فقد وجد النواب أنه لا بد من حماية الدين من الخطر المحدق به. وقد لاحظ النواب أن شعار الأمة الديني لم يعد يحظى بالانتشار الكافي، وصار البعض يطلق شعارات أخرى منافسة له ويدعي زورا أنها شعار الأمة وعنوانها. لذلك، أصدر المجلس قرارا يؤكد على أن الشعار الديني هو شعار الأمة دون غيره، وشجع على وضعه في كل مكان من المنشآت العامة للمدارس.

وأرجو منك، عزيزي القارئ، ألا يذهب ذهنك بعيدا. فلا تتهمني بأنني أرسم من وحي خيالي صورة لما سوف يكون عليه الحال في مصر إذا حكمها الإخوان المسلمون أو السلفيون، أو ليبيا بعد أن أعلنت أنها ستطبق الشريعة، أو تونس تحت حكم النهضة. وأرجو ألا تعتبرني أرسم صورة كاريكاتورية للتيار الإسلامي في عالمنا العربي. فما قرأته في الفقرة السابقة لا علاقة له بالمرة بعالمنا العربي والإسلامي، فأنا أحدثك عن وقائع جرت في الولايات المتحدة الأميركية!

ففي مدينة نيويورك، عاصمة المال والأعمال، انتشرت ظاهرة لافتة في الحافلات التي تقطع مسافات طويلة، تمر خلالها في مناطق يسكنها بكثافة اليهود الأورثوذكس، الذين تحظر عقيدتهم اختلاط الرجال بالنساء أو أي اتصال بين الرجال والنساء الغرباء عنهم. لذلك، ظهرت في هذه الحافلات ستائر زرقاء اللون، تقسم الحافلة إلى قسم للنساء وآخر للرجال. والحقيقة أن تلك الواقعة ليست الأولى من نوعها، فهي ذات جذور منذ التسعينات من القرن العشرين، حين خلق هذا الموضوع ضجة كبرى عندما طُردت صحفية شابة من سكان المدينة، من مقاعد الرجال في إحدى الحافلات.

لكن وضع تلك الستائر في الحافلات العامة لنقل الركاب، يمثل انتهاكا صريحا للدستور الأميركي. فالفصل بين الدين والدولة في الدستور الأميركي، يتجلى في مادة تنص على أنه محظور على الحكومة أن تتبنى دينا أو مذهبا بعينه دون غيره؛ أي أن الدولة تقف على مسافة واحدة من كل الأديان. والحافلات العامة التي يحدث فيها ذلك الفصل، تتلقى 1.6 مليون دولار من الخزانة العامة، لتشغيل ذلك الخط الذي يمر في أحياء اليهود الأورثوذكس. وهو ما يعني أن الحكومة المحظور عليها أن تتبنى دينا بموجب الدستور، تقوم في هذه الحالة بدعم أحد المذاهب من المال العام، الأمر الذي أدى لإثارة الجدل حول هذا الموضوع.

الجدير بالذكر أن مثل تلك الوقائع، التي تظل مقصورة على الأماكن التي يقطنها اليهود الأورثوذكس فقط، لم تحدث مطلقا خلال الجدل حولها أية إساءة لعقيدة اليهود الأورثوذكس ولا التشهير بهم. فلا أحد يتهمهم بالرجعية، ولا بفرض شريعتهم على المجتمع. والجدل الذي يصل أحيانا للمحاكم، يقتصر على رفض استخدام المال العام للاستجابة لاحتياجات أو تقاليد طائفة دينية من المال العام، بما يخالف الدستور.

والمفارقة هنا هي أن ردة الفعل إزاء قضية مماثلة ولكن في أماكن يقطنها المسلمون، كان أن تقوم الدنيا ولا تقعد، الأمر الذي يعني أن القضية ليست قضية دينية، وإنما قضية تحيز ضد دين بعينه. وهو ما يطرح السؤال حول مدى دستورية الانحياز ضد دين بعينه، طالما أن الدستور ينص على أن تكون الدولة على مسافة واحدة من كل الأديان!

أما المجلس النيابي المذكور أعلاه، والذي أكد على الشعار الديني، فهو الكونغرس الأميركي. ففي وقت تشهد فيه أميركا احتجاجات عاصفة رفضا لتوحش الرأسمالية المسؤولة بفسادها عن الانهيار الاقتصادي الراهن، ورغم أن نسبة البطالة وصلت لأعلى معدلاتها، وبينما يطالب أوباما الكونغرس بمناقشة مشروع قانون الوظائف الذي اقترحه لمعالجة البطالة، إذا بمجلس النواب منشغل بإعداد وإصدار قرار بشأن شعار الدولة.

فقد اعتبر الجمهوريون الذين يسيطرون على المجلس، أن السنوات الماضية شهدت "التباسا"، على حد تعبير النائب راندي فوربز الذي قدم مشروع القرار، ينبع من أن الذين يكرهون الشعار يدفعون الناس لعدم احترامه. والشعار الذي يقصده هو "نثق بالله" المكتوب على العملة الأميركية، والمحفور في مدخل مجلس الشيوخ، وفوق مقعد رئيس مجلس النواب. لكن النواب انزعجوا من أوباما مثلا في كلمته في إندونسيا، لأنه قال إن "الكل في واحد" هو شعار البلاد، "بما يعد تهديدا" لعنوان الدولة وشعارها.

و"الكل في واحد" هو إحدى المقولات التاريخية المهمة، والتي يستخدمها الأميركيون على سبيل الفخر بتعدديتهم ووحدتهم. وعليه، عكف النواب على إصدار القرار نفسه، الذي كان قد أصدره مجلس الشيوخ حين سيطر عليه الجمهوريون. وقد صدر القرار فعلا بمجلس النواب بأغلبية 396: 9.

ومنطوق القرار يذكر في ديباجة طويلة حيثياته، إلى أن يصل لنص القرار نفسه. فهو قرر أنه "لما كان شعار "نثق بالله" جزءاً لا يتجزأ من المجتمع الأميركي منذ نشأته.. ولما كان الناس في أميركا يلجأون لله في المحن.. ولما كان إبعاد الدين عن سوق الأفكار تستحيل معه حماية الحريات التي أقيمت على أساسها الولايات المتحدة.. فقد قرر الكونغرس بمجلسيه التأكيد على أن "نثق بالله" هو الشعار الرسمي للولايات المتحدة الأميركية، والعمل على تشجيع نشره وتعليقه في كل مكان".

حين قرأت تلك اللغة ذات الصبغة الدينية الواضحة، سألت نفسي؛ هل الكونغرس الذي وافق بأغلبية ساحقة على هذه الصيغة، هو نفسه الذي يهدد في قرارات أخرى بالويل والثبور وعظائم الأمور إذا ما وصل التيار الإسلامي للحكم في بلادنا؟!