اثنتا عشرة دورة من معرض دبي الدولي للطيران، تحلق فيها النجاحات من محطة إلى أخرى لتضع دبي والإمارات وصناعة الطيران في ذروة الحضور العالمي، ولتؤشر على التوجه المتوازن الذي تنطلق في فضائه سياسة الإمارات عموماً، تلك السياسة الحكيمة التي تجمع بين فلسفة السلام العميقة المتجذرة في ثقافة المجتمع، وبين مواطن القوة التي لا بد من ترسيخها ودعمها لتكون حاضنة السلام وحامية حمائمه من عاديات الزمان، وليقف صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، على مشارف هذه السلسلة من النجاحات المتواصلة، مباركاً ومحذراً في آن واحد.

حين قال: "لا يوجد للنجاح خط نهاية، وأن النجاح الذي تحققه اليوم ستذروه الرياح غداً إن لم تتابعه بالصيانة، والتجديد، والتطوير، وتسخّره لخدمة المصلحة العامة"، و"هذا نهج ثابت نمارسه في حياتنا، وهو من متطلبات نجاح الإنسان في حياته، وفي أداء عمله بإتقان وإخلاص". هذه هي الإمارات في جوهرها، تترجم النهوض الحضاري المتكامل في أبهى صوره، من دون طغيان جانب على آخر، فمعرض لأحدث صناعات الدفاعات الجوية والطيران في العالم يوماً.

وفي أيام أخرى معارض للفن والسلام والعلم والبحث العلمي والصحة والتعليم، وجميع أطياف الحياة وحاجات المجتمع، لا يحجب اهتمام بجانب شتى الاهتمامات بالجانب الآخر، لتمتزج على أرض الإمارات حقيقة التوازن الحضاري التي تؤمن بها الدولة منذ نشأتها، والتي تزرع الخير في ظلال الإنسانية بيد، وتحرس زرعها وثمارها باليد الأخرى. ليس في ذلك أي تناقض أو تضارب بين أفق التعايش المفتوح على أجوائه الممتدة، وبين رادع القوة التي تصون مكتسبات الأمة، فكلاهما جناحا الارتقاء العالمي والنهوض الحضاري، فالحق من غير قوة فلسفة خاوية تصل إلى حد السفسطة، والقوة من دون حق رعونة مهلكة تصل إلى حواف الانتحار.

وها هي دبي والإمارات عموماً، تطل من خلال معرض الطيران السنوي الذي يجمع أقطاب هذه الصناعة من شتى أنحاء العالم، على أحدث ثمرات هذه الصناعة لتصنع من مظلتها إكسير نجاح لهذه الثمرات، في دقة عرضها وقدرتها على جذب أفضل إبداعات الشعوب في هذا الفن الذي يثبت كل يوم أنه جوهر القوة في سلاح أي دولة، ولذلك لا تتوانى الإمارات عن الأخذ بزمامه نحو ما يضمن لها إحراز قصب التميز، وليس السبق فحسب، في ساحات الاختبار الجدي الذي لا يقبل الخلل في أي جانب مهما كان بسيطاً.

هذه المنظومة المترابطة من الثوابت والمنطلقات، ليست غائبة عن وعي القيادة أو الجماهير، فلا يمكن أبداً لطائر السلام أن يحلق في فضاء بلد؛ ما لم يكن هناك من يؤتمنون على تحليق هذا الطائر بين الناس، ويقدمون أنفسهم لحماية الإنجازات وتعزيز الاستقرار ورعاية الازدهار، ويقفون دائماً في حالة تأهب، مترجمين وحدة تراب الوطن توحداً على أهدافه وآماله. وإذا كانت "الإمارات سعت دائماً بالدبلوماسية لحل النزاعات مع جيرانها، ودعت دائماً إلى الحوار وسيلة لحل المشكلات إقليمياً ودولياً، فإن القوات المسلحة الإماراتية قوية.

ودائماً على أهبة الاستعداد للتعامل مع أي تهديدات على الأمة والمنطقة"، وخير دليل على ذلك الحضور القوي في أقرب تجربة ساهمت فيها الإمارات مع العديد من الدول العربية، من خلال عمليات فرض منطقة حظر الطيران التي أنشأها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لحماية المدنيين في ليبيا، واكتسب فيها طيارو الدولة خبرة قيمة في الحرب الجوية. وكما أكد سمو الشيخ أحمد بن سعيد آل مكتوم، رئيس هيئة دبي للطيران الرئيس الأعلى لمجموعة طيران الإمارات، فإن الصناعات المدنية والدفاعية في الإمارات تنمو في مختلف المجالات بما فيها الطيران، وإن جيش الإمارات حقق الحداثة على الصعيد الدولي، وقواتها كانت دائماً حاضرة لحماية الأمة، وحاضرة لخدمة عمليات المجتمع الدولي لحفظ السلام في جميع أنحاء العالم.

هذا الحضور المؤثر في القضايا الساخنة تحت مظلة التوافق العالمي والعربي، وهذا الاهتمام بالصناعات الجوية والعسكرية الحديثة، أكسب الإمارات التقدير والثناء من أصحاب القرار والشركات العالمية، والإشادة بالطاقات الإماراتية التي تتحمل مسؤولية الوطن بكل جدية. بل إن الأمر وصل في حرص القيادة إلى أكثر من ذلك، حين قال الشيخ حمدان بن مبارك آل نهيان، وزير الأشغال العامة إن "الإمارات مهيأة لإقامة صناعة طيران ناجحة، سواء عبر شركات الطيران الوطنية، أو عبر مطارات الدولة المتقدمة التي تحولت إلى مطارات إقليمية وعالمية نشطة".

كبيرة هي الآمال التي يضعها الشعب الإماراتي في القائمين على حاضره ومستقبله من قيادتنا الرشيدة، لأنه يعلم أن غيرتهم على مكتسبات الوطن تجعل البحث عن المزيد من سبل القوة هاجسهم، وتضع الاستقرار والحفاظ على أمن الوطن في قمة الأولويات، وتترجم بالأعمال لا بالأقوال فلسفة السلام والقوة المتوازنة، وتحرس مشعل الاستقرار بالعقل الحصيف الذي يثمر دبلوماسية حكيمة، واليد القوية التي تحسن الدفاع عند الملمات، يترجمها أبناء الوطن المخلصون، كلٌ في مجال حضوره وعمله.