لا يشهد الوضع العربي متغيرات سياسية عاصفة فحسب، بل يرمي بظلال مؤكدة على العالم برمته، وبهذا المعنى تتحقق المقولة التاريخية التي تقرأ جغرافيا المكان بوصفه دالة كبرى في زمن التحولات العاصفة. فالجغرافيا العربية تتموضع في قلب العالم القديم، من حيث متاخمتها لآسيا وإفريقيا وأوروبا.. هذا العالم القديم الذي يظل متربعاً في قلب القارات والحضارات والأديان، سيظل حاملاً للمعاني الكبيرة مهما تطاولت الأزمان وتغيرت الأحوال، والشاهد الأكبر على ذلك أن المنطقة العربية تمثل النبع الصافي لأديان التوحيد الإبراهيمي التي تواشجت حيناً، وتمزقت دوماً على قواعد علوم الكلام والرأي والاجتهاد.

 هذه المسألة لا تطال العلاقات الإسلامية اليهودية المسيحية فحسب، بل أيضاً اليهودية والمسيحية من جهة، وما بين الطوائف التاريخية المسيحية التي تقاتلت حد التنافي العدمي، وكذا بين المسيحية بشكليها الكاثوليكي والأرثوذكسي، واليهودية بكامل طوائفها المقيمة في عقيدة الشعب المختار إلهياً! وعلى خط متصل وطوال قرون التحارب الإسلامي المسيحي، وما تلا ذلك.. منذ الإمبراطورية العثمانية وحتى الاستعمارات المعروفة..

في كل تلك الأزمنة كان الجدل الخلاق وغير الخلاق قائماً بين العالم العربي وأوروبا من جهة، وبين العالم العربي والامتدادات الأوروبية البروتستانتية الأنجلوسكسونية في أميركا المُغتصبة بقوة النار، عبر الإبادة المنهجية لملايين السكان الأصليين من الهنود الحمر، وحتى جنوب القارة الأميركية ذات الصلة العضوية بالثقافتين الإسبانيولية والبرتغالية، وكلتاهما ثقافتان استقتا زهو مفرداتهما الفكري والفلسفي من طاقة الإسلام الأندلسي، المتروْحن بالتصوف والسماحة. لم يكن يدور في خلد أحد أن يحدث ما يحدث في العالم العربي، ولم يكن أحد يتصوّر أن تحدث هذه الانقلابات الدراماتيكية في واقع الحال والمآل، وخلال عام واحد فقط.

وليس بوسع أحد تصوُّر ما سيأتي غداً أو بعد غد.. لكن ما يمكن رصده حقاً وفعلاً، هو أن هذا المتُغير لم يعد عربياً فقط، بل بدأ يزحف نحو العالم الآخر، وعلى نحو متسارع.. فقد تغير موقف الولايات المتحدة وأوروبا الغربية تجاه الإسلام السياسي، وأصبح النموذج التركي الماثل معياراً للتعامل مع الحركات الإسلامية السياسية، القابلة لتدوير اللعبة السياسية على قاعدة التبادل السلمي للسلطة، وعدم الخلط بين الدين والدولة.. وبهذا المعنى أصبحت العلمانية التركية المُستجدة، «متصلة/ منفصلة» عن العلمانية الأتاتوركية القومجية الطورانية.. تلك التي تمددت لاحقاً لتصبح قدس أقداس اليمين التركي المدجج بجنرالات المتاهات والعنف الأهوج، وبدلاً من ذلك سجلت تركيا «حزب العدالة والتنمية» مآثر مشهودة، اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً.

وبهذه المناسبة يجدر بالذكر أن حزب العدالة والتنمية خرج من معطف «حزب الفضيلة» الإسلامي، الذي خرج بدوره من معطف «حزب الرفاه» الإسلامي بقيادة نجم الدين أربكان. لكن أفتياء العدالة والتنمية تجاوزوا «الأرثوذوكسية السياسية الأربكانية»، نسبة لنجم الدين أربكان، ليكونوا نموذجاً متوازناً للبراغماتية العاقلة ذات النفس الإصلاحي البنّاء. المتغير في الموقف السياسي الأميركي الأوروبي تجاه الإسلام السياسي، انعكس في القبول المبدئي بإفرازات الربيع العربي الذي يجمع المراقبون على أنه سيكون إسلامياً وسطياً مؤكداً.

وقد كان لافتا منح جائزة نوبل للسلام إلى الناشطة السياسية الحقوقية، الخارجة من تضاعيف حزب الإصلاح الإسلامي في اليمن، السيدة توكل كرمان، واستقبالها الحافل في واشنطن ونيويورك، في إشارة ذات مغزى. كما أن النتائج الأولية للانتخابات التونسية، تؤشر إلى تقدم حزب النهضة الإسلامي الذي يتأسّى بالنموذج التركي، مما يفتح الباب لمتوالية القبول بالخيارات القادمة في مصر واليمن وسوريا وليبيا.

روسيا التي كانت منشدة لثقافة الحرب الباردة، والقراءة المركزية للحالة العربية من منظور ثنائية «أميركا/ روسيا»، سرعان ما تغيّرت، وبدأت في ترجيح نزعتها البراغماتية الجديدة، على قاعدة القبول بالجديد، والتخلّي عن القديم، حتى وإن كانت أميركا ستنال حظاً أوفر في الحضور المستقبلي في المنطقة. الصين بدورها استعادت منهجية «دينغ سياو بنغ» البراغماتية، حد التخلي التام عن الأيديولوجيا.

وهكذا باشرت الصين الرؤية القادمة من مقولة «ليس مُهمّا ما لون الهرة، بل المهم أن تُجيد اصطياد الفئران»، وهذا ما اتضح من خلال العديد من الشواهد. يبقى القول إن آثار الربيع العربي لم تقف عند تخوم صناع السياسات الكبرى، بل انعكست في الحراك الشعبي الأوروبي الذي بدأ ينقل قضاياه المطلبية إلى الشارع، متجاوزاً نقاباته العتيدة وإضراباتها الفولكلورية، مما يُشاهد في اليونان، وعلى سبيل المثال لا الحصر. ألا يعني كل هذا أن المنطقة العربية لم تمت وتتلاشى، بل إنها استمدت جذور اشتعالاتها المتألقة من تاريخ طويل وعميق، وأن ما بدا خابياً كئيباً ومائتاً سرعان ما عاد بعنفوان كبير؟!

إنها حكمة الله في خلقه، فالنبتة الصحراوية التي تموت وتتلاشى تحت وطأة الحرارة الشديدة، سرعان ما تستعيد زهو حياتها بمجرد هطول المطر في تلك الصحراء القاحلة.