الإنسان عدو ما يجهل، وتأسيساً على هذه القاعدة، فإن الذين وقفوا منذ البداية مترددين أو مشككين أو غير متحمسين لثورات الربيع العربي، ليسوا أقل وطنية من غيرهم، وإنما هم أقل تفاؤلا بما هو آتٍ، وأكثر خوفا مما يحدث. فتجارب الثورات والانقلابات العربية السابقة، منذ منتصف القرن العشرين وحتى فترة ما قبل الربيع، تعطيهم المبرر لاتخاذ هذا الموقف، والإحساس بهذا الخوف الذي يتجاوز الحاضر إلى المستقبل.
حصيلة الربيع العربي، حتى الآن، فاقت التوقعات، فحين تتمكن ثلاثة شعوب عربية من إزاحة ثلاثة أنظمة رسخت أقدامها على مدى سنوات طويلة من الحكم الذي تحول من ثوري إلى استبدادي، أمضى أقلها في السلطة ما يقرب من ربع قرن، فإن هذا يعد بكل المقاييس انقلابا في النظريات التي ظلت عقودا طويلة من الزمن تتصور أن حكم العسكر لا يتغير إلا من داخل المؤسسة العسكرية نفسها، فالرؤساء الثلاثة الذين تمت إزاحتهم عن الحكم ينتمون إلى المؤسسة العسكرية، لم يأتِ أيٌّ منهم عبر صناديق الاقتراع الحر، وإنما من خلال ثورات أو انقلابات، قام بها بعضهم، وورثها بعضهم الآخر من أسلافه، بدءا من 23 يوليو 1953 المصرية، مرورا بالفاتح من سبتمبر 1969 الليبية، وانتهاء بالسابع من فبراير 1987 التونسية.
الملاحظ في الحركات الثلاث، وفقا للبيانات الأولى التي بدأت بها مراحل حكمها، أنها جاءت جميعا للقضاء على الفساد، وتحقيق تطلعات الشعوب للحرية والديمقراطية، وإصلاح الأنظمة السياسية والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتردية. والملاحظ أيضا أنها قد تحولت، جميعا ودون استثناء، إلى أنظمة دكتاتورية تسلطية قمعية، وأن الفساد الذي جاءت لمحاربته والقضاء عليه استشرى في عهودها وأصبح أضعاف ما كان عليه قبلها. ورغم أنها بدأت بدايات باعثة على التفاؤل والأمل، إلا أنها بمرور الوقت أصبحت أكثر تسلطا وفسادا من الأنظمة التي أزاحتها عن الحكم وحلت محلها. لهذا كان خوف المترددين والمشككين في ثورات الربيع العربي مبررا لدى أصحابه، بحكم خبرتهم وما آلت إليه أحوال الثورات السابقة وأوضاع شعوبها.
أما الذين يعارضون هذه الفكرة فيقولون إن ثورات الربيع العربي تختلف اختلافا جذريا عن الثورات التي تحولت إلى دكتاتوريات، كون تلك الثورات وضعت الشعوب أمام الأمر الواقع، وقادتها دون إرادتها إلى ما تريد هي لا إلى ما تريد الشعوب، وحكمتها بالحديد والنار حتى أوصلتها إلى ما وصلت إليه من انفجار، أما شعوب الربيع العربي فقد أخذت زمام المبادرة بيدها، وغيرت الواقع الذي فرضته تلك الأنظمة عليها.
نقطة الاختلاف هذه فارقة في مسار هذه الثورات، حيث لن تواجه الشعوب، في المستقبل المنظور على الأقل، أنظمة حكم أكثر دكتاتورية من تلك التي أزاحتها، ولن يجرؤ أي رئيس أو حزب يصل إلى السلطة، عن طريق صناديق الاقتراع هذه المرة، على انتهاج طريق تلك الأنظمة التي سقطت سقوطا مريعا وغير متوقع، فهو يدرك جيدا أنه سيواجه بثورات أشد، بعد أن كسرت هذه الشعوب حاجز الخوف، وحطمت التابوهات التي كانت تقيد حركتها، وتمنعها من مواجهة الطغيان والقضاء عليه، وإن كانت ستواجه مرحلة من الفوضى متوقعة بعد عقود من الأنظمة الاستبدادية ذات القبضة الحديدية.
ولأن مسلسلات الخوف طويلة، ولأنها من ذلك النوع الذي لا تبدو له نهاية، فإن مخاوف كثيرة من القادم ما زالت تطرح، فإذا كانت نشوة الانتصار قد بلغت ذروتها وأخذت في التراجع، فإن صورة المستقبل لا تزال ضبابية وغامضة لدى شعوب البلدان التي تفتح ورد ربيعها لكنها لم تحصد بعد ثمار ما زرعت، فثمة أمور كثيرة غير محسومة حتى الآن، والبديل الذي حذر منه الخائفون والمشككون والمتشائمون لم تتضح معالمه بعد، وهناك الكثير من الفزّاعات التي استخدمتها الأنظمة السابقة تطل برأسها، بعضها من الذين التحقوا بالثورات منذ بدايتها، وبعضها من الذين ركبوا القطار في منتصف الطريق، وبعضها من الذين قفزوا إليه قبل زمن يسير من وصوله إلى محطته الأخيرة، وبعضها من الفلول التي استطاعت أن تغير جلدها وتعيد إنتاج بضاعتها وتقديمها في صورة جديدة، لتعاود الدخول من النافذة بعد أن أخرجتها الثورات من الباب.
ربما يكون فوز حركة النهضة الإسلامية بأغلبية الأصوات في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي في تونس، واحدا من المخاوف التي كانت كامنة في نفوس أولئك المتخوفين من ثورات الربيع العربي، وربما تكون مؤشرا لفوز أحزاب وحركات ذات توجهات إسلامية أيضا في الدول الأخرى. لكن هذا لا يمكن أن يكون مبررا للقبول والرضا بالأنظمة الاستبدادية السابقة، طالما أن صناديق الاقتراع هي الفيصل في تحديد من سيأتي.
وطالما كانت الانتخابات التي ستأتي بهذه الحركات والأحزاب حرة ونزيهة، لا تخضع لأي ضغوط أو تزوير، مثلما حدث في تونس بشهادة كل المراقبين الذين أوفدتهم المنظمات الدولية لمتابعتها، وربما ينسحب هذا على الوضع في ليبيا كما بدا من التصريحات الأولى بعد نجاح الثورة وانتهاء حكم القذافي، وربما تأتي انتخابات مجلسي الشعب والشورى المصرية المقبلة بتيارات من هذا النوع أيضا، وإن كان هذا كله لا يشكل، في رأينا، مبررا كافيا لرفض هذا التيار، بعد أن أخذت كل التيارات فرصتها وثبت فشلها.
ورغم ذلك، يظل الخوف من المجهول قائما لدى أولئك الذين استقر الخوف في نفوسهم منذ البداية ولم يفارقها في كل المراحل، أما الذين كسروا حاجز الخوف وحطموا جدرانه التي كنا نحسبها منيعة، فهم وحدهم القادرون على بث الأمن في النفوس، والمحافظة على طهارة الثورات ونقائها، ومنع أصحاب المصالح والأجندات الخفية والمتلونين من القفز على السلطة والاستئثار بها، والفوز بغنيمة الربيع العربي وحدهم.
ويقيننا أن الثورات التي استطاعت إسقاط تلك الديكتاتوريات العتيدة لن تعجز عن تصحيح المسارات، إذا شعرت الشعوب أن هناك انحرافا أو خروجا عن مسار هذه الثورات وغاياتها، فليس ثمة من يستطيع أن يعيد المارد إلى قمقمه، بعد أن حطم هذا القمم وخرج إلى الفضاء الرحب، مهما اختلفنا حول طبيعة هذا الفضاء، أو مدى قدرته على استيعاب الجميع.