تكمن قيمة حديث وزيرة الخارجية الأميركية الأخير عن ربيع الثورات العربية في أنه أول تقييم شامل للموقف يصدر من قمة الإدارة الأميركية. أما ما كشف عنه من تغييرات في السياسة الأميركية بالمنطقة وخاصة فيما يتعلق بالموقف من الأحزاب والجماعات الإسلامية فقد كان الواقع يؤكده بعد صدمة الأيام الأولى للثورات العربية وما ساد من ارتباك في السياسة الأميركية (خاصة بالنسبة لمصر وتونس) وبعدها كانت الشواهد والاتصالات والتسربيات تقول إن الطريق انفتح للسير في هذا الاتجاه وأن بعض المعارضات التي كانت مازالت تتواجد في الأجهزة الرسمية الأميركية المختصة قد بدأت تستسلم.

 وقبل أيام فقط من تصريحات الوزيرة الأميركية كانت جماعة «الإخوان المسلمين» أكبر الجماعات الإسلامية في مصر والوطن العربي تحتفي بتصريحات أهم وأخطر صدرت عن المبعوث الأميركي لشؤون التحول الديمقراطي في الشرق الأوسط «ويليام تايلور» يقول فيها ما لم يقله مسؤول أميركي آخر حتى الآن في هذه القضية، حيث أكد «أن واشنطن ستكون راضية إذا أسفرت الانتخابات البرلمانية القادمة في مصر عن فوز جماعة «الإخوان المسلمين»، بشرط أن تكون الانتخابات بالطبع حرة نزيهة».

وربما كان هذا التصريح وبعده تصريحات أخرى مثل تصريح هيلاري كلينتون قد أثار بعض الدهشة لدى من لا يتابعون كواليس الاتصالات العلنية وغير العلنية، وحتى من بين أنصار الجماعة نفسها الذين كانوا يسمعون من قيادة الجماعة أنهم حتى لو فازوا بالانتخابات القادمة، فإنهم لا يريدون أن يتحملوا مسؤولية الحكم في الفترة القادمة حتى لا يحملوا عبء التركة الثقيلة التي تركها النظام السابق، والأهم لأنهم يخشون من تردد أو معارضة أميركا وأوروبا للتعامل معهم أو العمل على إفشالهم!

وليس خافياً أيضاً أن «الإخوان المسلمين» لم يكونوا يصرون فقط على عدم ترشيح واحد منهم لرئاسة الجمهورية، بل كانوا أيضاً في المفاوضات السابقة التي لم تنجح مع حزب الوفد يطرحون معادلة للحكم تبقيهم بعيداً عن المسؤوليات التنفيذية وتكتفي بالاستحواذ على البرلمان.

الآن يتغير الموقف تماماً، وهو كان قد بدأ يتغير مع تقدم الاعتراف الخارجي بهم والقبول بالتعامل معهم، وانعكس ذلك من رفع نسبة مرشحيهم للبرلمان من 30% كما كان مقرراً من قبل إلى أكثر من الضعف الآن. ولا شك أن «إعلان الرضا» الأميركي، بعد فوز حزب النهضة في تونس يفتح شهية الجماعات الإسلامية كلها وليس الاخوان فقط للانتقال لمحاولة الاستحواذ وتحقيق ما لم يكن مطروحاً من أهداف أمامهم قبل شهور أو أسابيع، والخوف هنا من تجاهل أن الموقف في مصر أكثر تعقيداً مما يبدو، وأن «الرضا الأميركي» قد ينقلب سلباً في مرحلة ما على من يعتبرونه مكسباً لهم اليوم !!

في مصر دولة لها بيروقراطيتها القوية، وجيش له وضعه على الدوام في أي معادلة للحكم، وفي مصر أقباط يمثلون نسبة محترمة من الشعب. وفي مصر مجتمع نالت فيه المرأة حقوقها السياسية كاملة من ستين سنة ويقال لها الآن إن عليها أن تترشح دون أن تظهر صورتها في اللافتات وأن تدخل البرلمان دون أن يسمع أحد صوتها لأنه «عورة». وفي مصر انقسام يزداد يوماً بعد يوم بين أنصار الدولة الدينية ودعاة عودة الخلافة من جهة وبين ميراث قرنين من محاولات الحداثة من قوى اليسار والليبرالية وأنصار الدولة المدنية. وفي مصر لا تقتصر الحرب على هذين الفريقين، بل إن الحرب الأشد هي داخل صفوف الحركات الإسلامية نفسها التي تتبادل دعوات التكفير، وتبتعد بما لا يقاس- عما تمثله حركة مثل «النهضة» في تونس من انفتاح وحداثة.

ويأتي إعلان «الرضا الأميركي» ليستبق الانتخابات ولا ينتظر حتى نتائجها، وأيضاً ليتوافق مع معركة تدور رحاها حول «مدنية الدولة» ترفض فيها الأحزاب الإسلامية أي التزام بهذا الشأن، انتظاراً لنتائج انتخابات يرون أنها ستعطيهم الهيمنة على عملية وضع الدستور الجديد.

ولا يبدو هذا محل اهتمام أساسي في رؤية واشنطن. التي تركز على قضية أخرى تعطيها كل اهتمامها حين تؤكد الوزيرة هيلاري كلينتون على ضرورة حدوث « انتقال حقيقي للسلطة في مصر، وعدم إبقائها في أيدي مسؤولين غير منتخبين» في إشارة إلى القيادة العسكرية التي تتولى مقاليد الأمور في مصر منذ قيام الثورة.

هذه اللهجة تختلف عن اللهجة الأميركية في بداية الثورة والتي كانت لا تتوقف عن الثناء على القيادة العسكرية. ويبدو أن الإدارة الأميركية التي فوجئت وقتها بما حدث في مصر وبسقوط النظام الذي كان حليفاً رئيسياً لها، كانت تراهن في البداية على استدراك الموقف بإقناع قيادة الجيش بالتحالف مع جماعة الاخوان المسلمين وهو ما كانت البوادر تدل عليه في البداية قبل أن يحدث التباعد بين الفريقين، وقبل أن تظهر الجماعات السلفية المتشددة على الساحة، وقبل أن تفشل المحاولات الأخرى لتحالف الإخوان المسلمين مع الليبراليين بقيادة حزب الوفد. لنصل إلى المشهد الحالي المرتبك حيث ترفض الأحزاب الدينية بقيادة الإخوان الالتزام بالدولة المدنية، بينما يصر الجيش على ذلك، ويصر أيضاً على ضمانات بابقاء سلطاته مستقبلاً حامياً للدستور وبعيداً عن الرقابة.

بالطبع لا يحسم الموقف الأميركي الأمور، ولكنه يأخذ الأوضاع إلى طريق أشد ارتباكاً، ويضع كل الأطراف أمام أسئلة بالغة التعقيد:

فالإخوان المسلمون وباقي الأحزاب الإسلامية، وقد اختفى من أمامهم «الفيتو» الأميركي يواجهون الصراعات الداخلية الكبيرة بين التيارات الإسلامية بأجنحتها المختلفة، ويواجهون حقائق أن الموقف الأميركي مرتبط بالإقرار بالدولة المدنية وحقوق المرأة والأقباط، والأهم الموقف من الاتفاقية المصرية الإسرائيلية. فهل اطمأنت واشنطن على ذلك بالفعل، أم أنها تقدم « الجزرة » وتنتظر ؟

والجيش الذي كان انحيازه للثورة هو العامل الحاسم في إسقاط النظام السابق، يعلن أنه لن يترك السلطة إلا لدولة مدنية، ولكنه بسبب أخطاء الممارسة وقلة الخبرة السياسية لم يستطع حشد القوى المؤيدة لهذه الدولة المدنية مع شباب الثورة معه، بل اصطدم بالجميع في الداخل وفي نفس الوقت لم تكن علاقاته بواشنطن بعد الثورة على ما يرام.

التوافق الوطني بين كل القوى السياسية الفاعلة هو طريق الإنقاذ الوحيد، لكنه يبدو بعيد المنال اليوم. والبدائل الأخرى صعبة، واخشى ما تخشاه قوى الثورة أن تكون اللعبة الأميركية هي جر الوضع إلى صدام داخلي مدمر، يؤجل لسنوات طويلة ما تراه واشنطن خطراً حقيقياً على مصالحها وعلى حليفها الأساسي إسرائيل، وهو مصر القوية العائدة لدورها العربي.

هل تقرأ كل الأطراف ما يجري حولها في ضوء هذه الحقيقة؟ أم تنجح المؤامرات في حصار الربيع الذي لا يراد له أن يستمر ربيعاً ولا أن يكون عربياً ؟!