العالم معلق بطرف عصا ساحر. كل منا لم يعد حرا كما كان. أصبحنا رهن إشارة رمزين صغيرين جداً: الصفر والواحد. أنا وأنت وهو وهم ونحن وكلنا أصبحنا تحت رحمة الأجهزة الحاسوبية. بمعنى آخر، ماذا سيحدث لو تعطل هاتفك المتحرك لدقيقة واحدة بينما أنت تحاول إجراء مكالمة طارئة لطلب سيارة إسعاف عاجلة، بينما شبكات الاتصالات تعمل على خير ما يرام ؟ كارثة! ستتمنى وقتها لو أن العالم لم يكتشف الأجهزة الالكترونية. بكلمة أخرى، ستكتشف فجأة أن حياتك كلها أصبحت -دون أن تعلم- حبيسة إشارة جهاز صغير لا يتعدى حجم علبة السجائر.
تخيل أنك اعتمدت أثناء قيادتك مركبتك على نظام الجي بي أس للوصول إلى نقطة ما، وبينما أنت تتبع خطوات إرشادك للطريق بالصوت والصورة إلى الجهة المرغوبة، انقطع عنك الإرسال أو أن الجهاز توقف عن العمل لسبب غير معروف، ما تراك فاعل؟ الحيرة والقلق والغضب والسب والشتم واللعن على من اخترع لك هذا الجهاز!
هناك تخيل أكبر من ذلك وأكبر بشاعة، لنتخيل أن جميع أجهزة الحاسوب والشبكات العنكبوتية والانترنت توقفت لسبب غير معروف لمدة أسبوع كامل، هل نتخيل حجم الكارثة البشرية؟ أو أنها توقفت إلى أجل غير مسمى، هل نتخيل عالمنا المعقد يقع في فخ الأجهزة التي صنعها لنفسه؟
العالم تطور بسرعة البرق خلال السنوات الثلاثين الماضية. وجميع الاكتشافات العصرية منذ اختراع الآلة إلى اليوم بقدر ما سهلت الحياة للبشر بقدر ما أوقعتهم في مصيدتها. لا أحد ينكر أهمية المركبات والطائرات في التنقلات اليومية والحاسوب في المعاملات والاتصالات.
غير أن إضراب ليوم واحد يقرره قائدو الحافلات أو الطائرات سيشل حركة العالم بأسره. وإن انقطع النفط أو نضب تماما، عندها ستتوقف الحياة من الولايات المتحدة الأميركية إلى اليابان، مرورا بنا.
وسيتوقف كل شيء. وستتوقف الحياة بكاملها في انتظار يوم القيامة. فكل المنتجات البشرية بدءا من الزراعة إلى الصناعة قائمة على الآلة التي أصبحت مرتبطة بالوقود. وحتى الوقود أصبح مرتبطا بالحاسوب. وأصبح بإمكان الآلة اليوم أن تدير نفسها دون الحاجة إلى التدخل البشري. ولكن البشر غير قادرين على تسيير أمورهم دون تحريك الآلة.
ترى من يجرؤ على أن يصعد خمسين أو حتى عشرة طوابق على قدميه فيما لو توقفت المصاعد عن العمل لعدم وجود تيار كهربائي؟
في الماضي القديم، كان الإنسان يبني حياته اعتمادا على إمكاناته وقوته الخاصة. وكان عمله يدويا أكثر منه آليا. وحتى الآلات التي اعتمد عليها كانت بسيطة جدا قام بصناعتها بنفسه. سواء في الزراعة أو في الري أو التنقل. غير أن الإنسان الذي خلق عجولا، لم يكتف بالسفر على وسائل السفر القديمة وإنما على أجهزة ووسائل نقل معقدة جدا فاقت أحيانا في سرعتها سرعة الصوت، حتى فلت منه الأمر.
الإنسان في الماضي القديم كان هو سيد نفسه، وهو سيد الآلة، وكان سيد حياته. واليوم أصبح الإنسان يعمل تحت إمرة الآلة التي تتحكم فيه قبل أن يتحكم فيها.
ولا يزال الإنسان يبحث عن وسائل أكثر تعقيدا وأكثر سرعة للحاق بالزمن. وكلما وصل إلى نقطة أكثر تقدما من سابقتها، وقع بشكل أكبر تحت سيطرتها الفولاذية.
المسألة أكبر وأخطر من مجرد السقوط بين عجلات الآلة. المسألة التي تقلق البشرية اليوم هي كيف يمكن لها أن تتخلص من جديد من بين براثن هذه العجلات التي تشبه إلى حد كبير مفرمة اللحم والتي بدأت بالفعل تفرمه دون القدرة على إيقاف حركتها؟ الوقت أصبح متأخرا. وطمع الإنسان وطموحه خرجا به عن مدار الحياة الطبيعية ولم يعد بالإمكان الإمساك بالعجلة التي تدور بشكل جنوني. وكما حاول في السابق أن يجري تجاربه على الفئران لكي يطور من عالمه، وقع ضحية نفس التجربة. فهو في دورانه يشبه ذلك الفأر الذي تم وضعه داخل عجلة تدور بفعل حركته عليها. فلا هو قادر على وقفها ولا هي قادرة على إيقاف نفسها.
وتدخلت الآلة في كل شيء. تدخلت حتى في تقرير مصير الأنظمة. في السابق كان سقوط الأنظمة يقوم على المؤامرات الداخلية بين دهاليز القصور. اليوم أصبح الجهاز هو من يقرر أو لا يقرر سقوط نظام ما. وأصبح الملك الجبار لا يخاف من الجيوش التي تحاصره بمدافعها ودباباتها وقرع الطبول والخطب الرنانة، وإنما ترتعد فرائصه من جهاز صغير بحجم علبة الحلوى يطلق عليها بلاك بيري وآيفون وآي باد.
فهو يعلم أن نص رسالة قصيرة قد تطيح به في غضون ساعات قليلة. لقد خرجت الآلة عن سيطرة الإنسان. وعليه أن يعيش في رعب لحظة توقف هذه الأجهزة عن العمل. عندها ستموت البشرية جوعا وعطشا وبردا وحرا.