تحتل دولة الإمارات اليوم مكانة متميزة على خريطة السياحة العالمية وتنافس في هذا المجال دولا تملك رصيدا طبيعيا ومقومات سياحية ضخمة. وعلى الرغم من أن السياحة مجال جديد على الدولة إلا أنها استطاعت وفي ظرف ثلاثة عقود من نشأة السياحة فيها أن تنافس دولا تملك مقومات سياحية ضخمة من مناخ معتدل وبيئة طبيعية جميلة وتراث تاريخي وثقافي موغل في القدم.

لقد نجحت الإمارات في مجال السياحة على الرغم من تحديات رأى فيها البعض عوائق حقيقية أمام نشوء وتطور السياحة في هذه البقعة من العالم بالتحديد. فالمناخ الصحراوي الشديد الحرارة صيفا وحداثة العهد بمجال السياحة وضعف الخبرة وقلة الإمكانات البشرية كلها عناصر كادت أن تقف عقبة في طريق نشوء سياحة عالمية بنكهة إماراتية.

ولكن جميع تلك العقبات ذللت لتقوم سياحة في هذه المنطقة فاقت نظيراتها في العالم وجذبت إليها سنويا ملايين السياح الذين عادة ما يرجعون إلى بلدانهم بصورة ايجابية وانطباع جيد عن بلدنا وثقافتنا.

لقد نجحت الإمارات سياحيا بفضل الكثير من العوامل الحضارية والبشرية أهمها عزمها على تنويع مصادر دخلها، واستغلالها المتميز للإمكانات والمقومات الطبيعية والتاريخية المتوفرة لديها، وبعزيمة التاجر المتمكن الذي يصر على تذليل كل الصعاب التي تعترض طريقه، تلك العزيمة التي ورثها الإماراتي من الأجداد والآباء والتي بها استطاعت الدولة أن تتغلب ليس فقط على الكثير من العقبات بل تطويعها لتصبح أداة جذب عوضا عن أن تكون أداة طرد. وإذا ما أردنا أن نعرف لماذا وكيف نجحت الإمارات سياحيا بينما يفشل غيرها نستطيع أن نقارن التجربة الإماراتية بتجارب الدول الأخرى.

قررنا في إجازة العيد أن نسافر براً إلى دولة اشتهرت بالسياحة منذ عصور طويلة. وعند وصولنا واجتيازنا الحدود قرأنا لافتة بأن عازل الزجاج المخفي والذي يزيد عن 30% غير مسموح به في طرقات وشوارع مدن تلك الدولة. أكملنا طريقنا وعند منتصف الطريق استوقفتنا دورية لشرطة احد المدن وحررت لنا مخالفة كبيرة. لم يكن هذا بالشيء الذي استغربنا له بل تلك المعاملة غير السوية التي تعرضنا لها والتي على إثرها أخذنا عهد على ألا نرجع لتلك الدولة مرة أخرى.

هذه المعاملة جعلتنا نقارن بين معاملتنا للسياح وزوار بلادنا وطريقة معاملة الاخر للسياح. ففي العيد الماضي قامت الشرطة عندنا بتوزيع بطاقات تهنئة عوضا عن المخالفات في العيد كما قامت معها بتوزيع عبارات التوعية للسياح عوضا عن المخالفة. فعبارات التوعية تترك أثرا أكثر ايجابية من المخالفات. وإن كان لا بد من المخالفة فاختيار الأسلوب الجيد والمعاملة الراقية هو أسلوب اخر لكسب حب الزائر وعدم تنفيره.

فالمعاملة التي يتلقاها السائح أو الزائر لبلد ما لا شك تترك أثرا قويا لديه تجعله يفكر إما في تكرار الزيارة وإما بعدم التفكير في زيارة ذلك البلد مطلقا. وبمراجعة الإحصاءات السياحية الموجودة لدينا يتضح أن معظم السياح يكررون زيارتهم للدولة أكثر من مرة، ومعظمهم تترك الدولة والمعاملة الجيدة التي يتلقونها في بلدنا لديهم انطباعا جيدا تجعلهم يكررون زيارتهم للدولة أكثر من مرة في العام الواحد بل ان بعضهم أصبح لا يخطط لقضاء اجازته سوى في الإمارات. فالترحيب الذي يلقاه والمعاملة الجيدة بالإضافة بالطبع إلى المقومات السياحية الأخرى تجعل اقامة السائح والزائر لبلدنا مريحة وسلسة.

ان السياحة أصبحت اليوم مصدرا مهما للدخل الوطني لجميع الدول وبالنسبة لنا مصدرا مهما لتنويع مصادر الدخل القومي وتنشيط القطاعات الاقتصادية كقطاعات التجزئة ووسائل النقل والاتصال وغيرها من القطاعات. ولا توجد سياحة دون سياح ولا سياح دون معاملة راقية تعمل على تعزيز مكانة السياحة على خريطة اقتصادنا وتجذب إلينا أعدادا أكبر من السياح وبالتالي دخل أكبر.

لقد نجحت الإمارات سياحيا ليس فقط لأنها تملك مقومات السياحة الناجحة من موقع جغرافي وإمكانات سياحية فخمة بل لأنها درست جيدا مقومات السياحة الناجحة وعلى رأسها المعاملة الراقية والأسلوب المتميز لجذب السياح. وكما قال أحد خبراء السياحة مرة وهو يقدم مجموعة من المواطنين إلى خبير سياحة أجنبي «هؤلاء أتوا من بلد استطاع جذب السياح إليه في مناخ تصل درجة الحرارة فيه إلى خمسين درجة مئوية صيفا».

 إذن فوراء سمعة الإمارات الطيبة وقدرتها على جذب السياح والحفاظ على مكانة متميزة على خارطة السياحة العالمية طوال هذه السنين تقف إرادة صلبة واستراتيجية منظمة وعبقرية تجارية فذة وظفت كل الإمكانات المتوفرة من بيئة طبيعية وإمكانات سياحية وفوق هذا وذاك معاملة إنسانية راقية تعمل على جذب الزوار لتكرار زيارتهم للدولة بكل أنس وحبور.

لقد قامت صناعة السياحة الإماراتية بأنواعها بمقومات تعد بسيطة جدا مقارنة بغيرها ولكن تفوقت فيها بكل جدارة وقدرة لأنها أضافت إليها مقومات جديدة تستحق أن تدرٌس لتعطي الآخرين دروسا في كيفية ابقاء صناعة السياحة جاذبة وحيوية ونشطة. لقد شدت تجربة الإمارات السياحية الأنظار لأنها لم تقم فقط على فندق فخم ومركز تسوق ممتلئ بالبضائع الراقية وشواطئ جميلة نظيفة ومهرجانات رائعة، بل قامت على معاملة إنسانية مدروسة وراقية قدمت للسائح والزائر تجربة سياحية وإنسانية فريدة. فعلى الدوام يأتي في برامج السائح زيارة أو أكثر لأثر حضاري أو إسلامي يقدم للسائح لمحة مميزة في عمق ثقافتنا الراقية وديننا السمح.

لقد نجحت الإمارات سياحيا لأنها لجأت إلى رصيدها الحضاري تستمد منه الأساليب الإنسانية الراقية التي تليق بسمعتنا وسمعة دولتنا ورصيدنا الإنساني والتاريخي الذي يضيف للسائح الحقيقي تجربة فريدة. لقد نجحت الإمارات في مجال السياحة لأنها لم تقلد غيرها بل خلقت تجربتها السياحية الفريدة وأضافت إليها من روحها الإنسانية الشيء الكثير. لقد نجحت الإمارات لأنها خلقت شيئا فريدا ومتميزا في مجال السياحة العالمية، لهذا نجحت الإمارات سياحيا بينما فشل غيرها.