دلت أحداث الربيع العربي هذا العام أن جامعة الدول العربية، كمنظمة إقليمية، تستطيع أن تقوم بدور مجد ومهم في الأزمات القطرية والإقليمية التي تواجهها دولها أو إقليمها، ويؤكد ذلك قراراتها المتعلقة بالأحداث الليبية في مطلع العام الحالي والأحداث السورية التي اتخذتها قبل أسبوعين، وربما أضعف ذلك على الفرضيات التي تقول بعجز الجامعة عن عمل أي شيء جدي، لأنها جامعة دول لا شعوب من جهة.

ولأن ميثاقها يعطي الحق لأي عضو فيها أن لا ينفذ قراراتها حتى لو اتخذ بالإجماع من جهة أخرى. ولذلك عجز جميع المطالبين بتغيير الميثاق أو تفعيل الجامعة عن نقلها من مرحلة الركود وما يشبه الشلل إلى مرحلة الفعالية والجدوى والتأثير.

إذن يمكن افتراض أن الجامعة قادرة على القيام بدورها، ومهما كان رأينا في قراراتها التي أشرت إليها والمتعلقة بليبيا وسوريا، فإنها أثرت في الواقع العربي وغيرت فيه كثيراً، ولا يقلل من أهمية الدور ما يقال عن وجود توافق مع قوى دولية أو إقليمية أخرى دفعت باتجاه اتخاذ هذه القرارات، مما أعطى لها خلفيات مهمة وأوحى باعتمادها على موقف غير إقليمي.

تعتبر هذه القرارات مؤشراً لوجود إمكانية كبيرة لجامعة الدول العربية في أن تلعب دوراً إقليمياً حاسماً، شأنها شأن المنظمات الإقليمية السياسية أو الاقتصادية أو الثقافية في العالم كله، خاصة في هذا العصر، عصر التكتلات والتجمعات والتعاون الدولي السياسي والاقتصادي، عصر العولمة والهيمنة الجديدة المختلفة عن هيمنة الاستعمار الأوروبي (الكولونيالي) في النصف الأول من القرن الماضي، أو الأميركي (الأمبريالي) في النصف الثاني منه.

عندما تأسست جامعة الدول العربية عام 1945 لم يكن عدد الدول العربية المستقلة يتجاوز سبع دول، وكان استقلال هذه الدول هشاً وناقصاً ومعرضاً للمخاطر من جهات عديدة، منها في ذلك الوقت خطر الحركة الصهيونية والاستعمار الأوروبي القديم، وكان لهذا الاستعمار، ممثلاً بالسياسة البريطانية، دور في التشجيع على تأسيس الجامعة، وبغض النظر عن الأهداف البريطانية، فقد كانت هناك ضرورة عربية لقيام منظمة إقليمية لهذه البلدان الناشئة، وبسبب حاجة السياسة البريطانية.

وحاجة الحكومات العربية في البلدان المستقلة حديثاً، إضافة إلى الظروف السياسية العالمية في ذلك الوقت (انتهاء الحرب الثانية، بداية تقاسم العالم من جديد بين الدول الاشتراكية والرأسمالية، أفول الاستعمار القديم، تمدد الإمبريالية الأميركية خارج قارة أميركا، حاجة أوروبا والعالم لإعادة البناء..الخ) مما كان له تأثير كبير على تحديد مهمات الجامعة كمنظمة إقليمية في الأطراف (أي خارج أوروبا وأميركا) وعلى ميثاقها ووظيفتها والرؤية المقبلة لدورها الإقليمي والعالمي.

بعد زيادة عدد الدول العربية المستقلة، واستطراداً زيادة عدد أعضاء الجامعة. فإن تناقضات السياسة العالمية ومجرياتها وتأثيرها على الدول العربية الأعضاء في الجامعة ومصالح أنظمتها بل وصراعاتها المحلية بعضها مع البعض الآخر.

أثرت على بقاء ميثاق الجامعة بالصيغة التي كان عليها عند التأسيس دون تعديل، واستمرار الجامعة بأداء وظيفة (التسوية) وعدم اتخاذ قرارات حاسمة، تلزم أعضاءها باتخاذ سياسة جديدة، وفي الحالات كلها بقيت الاحتجاجات العربية مستمرة على تهافت ميثاق الجامعة، وعدم استيعابه للتطورات، وعدم فائدته للبلدان الأعضاء، بل ربما مساهمته، حسب البعض، في تكريس واقع عربي رديء، وإيجاد المبرر لهذه الدول كي لا تضع ميثاقاً جديداً عصرياً يدخلها في الصراعات العالمية المعاصرة ويحمي مصالح العرب القومية ومصالح كل دولة منتسبة للجامعة.

إن تقصير ميثاق الجامعة عن الاستجابة لإرادة الشعوب العربية وتياراتها السياسية والثقافية ومجتمعاتها في المجال السياسي، وتأكيد دورها الإقليمي والدولي في هذا المجال، ينبغي أن لا ينسينا أن ميثاق الجامعة أتاح لها، رغم ذلك، تحقيق إنجازات مهمة في المجالات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والإنسانية، فسمح للدول العربية أن ترسم توجهات ثقافية مشتركة، في الغالب الأعم، ومناهج تعليم وكتبا مدرسية موحدة أو شبه موحدة.

وتحقيق تعاون ثقافي كبير في مختلف المجالات وخاصة في المحافل الدولية، فضلاً عن تعاون في مجالات النقابات والمنظمات الشعبية، والتعاون الصحي والإنساني والاقتصادي، سواء ما يتعلق بتنظيم الرسوم الجمركية، وتخفيف بعضها على البضائع العربية والتبادل البيني، أم في رسم سياسات صناعية تشكل خطوة أولى نحو التنسيق والتكامل وغير ذلك من المنجزات.

إن القضية إذن لا تتعلق فقط بميثاق الجامعة، فهذا يمكن توظيفه في الصالح العربي العام مهما كانت بنيته ومقتضياته، وإنما تتعلق بإرادة دول الجامعة، ورغبتها في التضامن، مما يفسر تعاونها في مجالات عديدة وتناقضها في المجالات السياسية.

ولكن رغم ذلك فإن من يطالبون بتغيير الميثاق وتحويله إلى ميثاق عصري يستوعب التطورات في مختلف المجالات، وتعدد إملاءات عالمنا المعاصر وظروف صراعات تكتلاته ومصالح دوله، إنما يطالبون بأمر ضروري ومحق ولا غنى للعرب عنه سواء كدول مستقلة أم كرابطة إقليمية، ولم يعد عصرنا يسمح لهم بالتصرف الفردي بمعزل عن التعاون الإقليمي، شأن دول العالم الأخرى، التي أقامت منظماتها الإقليمية وأعطتها الصلاحية التي تأخذ قسماً كبيراً من سيادة أعضائها. ولنا مثال مما يجري في أوروبا وخاصة بعد انهيار الاقتصادي اليوناني، وما يجري في جنوب شرق آسيا، حيث المنظمة الإقليمية لهذه الدول تستن سياسات اقتصادية ملزمة للجميع.

ولكن علينا أن نتذكر في نهاية المطاف أن القضية قضية إرادة لا قضية ميثاق، فالإرادة تقوّم أي ميثاق معوَج.