أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما في الحادي والعشرين من أكتوبر المنصرم أن القوات الأميركية ستنسحب من العراق انسحاباً شاملاً نهاية هذا العام وفق الاتفاقية الأميركية العراقية التي وقعت عام 2008. ولم ينس أن يضمن إعلانه هذا رسالة تحذيرية، دون أن يضع اسم المُرسل إليه، مفادها أن واشنطن ستبقى متيقظة.
وبالتزامن مع ذلك نشرت صحيفة النيويورك تايمز خبراً مفاده أن الولايات المتحدة ستعزز وجودها العسكري في الخليج العربي عن طريق إرسال المزيد من القطع البحرية. وقد تواردت أخيراً أنباء تشير إلى أن قوات أميركية قتالية للتدخل السريع ستتمركز في إحدى الدول المتاخمة للعراق وستراقب عن كثب جميع التحركات التي قد تهدد الاستقرار في العراق كي تتمكن من الاستجابة فوراً عند الضرورة. علماً أن الولايات المتحدة قد بدأت بسحب قواتها منذ يونيو من عام 2009.
لم تحظ الحرب على العراق بتأييد أو قبول أو تعاطف يذكر في الأوساط الشعبية الأميركية أو في غيرها، خاصة بعد أن تكشفت الحقائق وأميط اللثام عن نسيج الأكاذيب التي صُنعت في واشنطن ولندن من أجل تضليل الرأي العام وتمرير قرار الحرب. والحقيقة أن قرار الرئيس الأميركي أوباما بالانسحاب من العراق في الموعد المقرر ينسجم مع الوعود التي قطعها لناخبيه عام 2008 ويخدم حملته الانتخابية القريبة المقبلة، لأنه قرار يحظى برضا الرأي العام الأميركي. فوفق الاستبيان الذي أجراه معهد غالوب الشهير أخيراً تبين أن 75% من الذين اشتركوا فيه يقف مع الرئيس في هذا القرار.
لهذا الانسحاب تداعيات على محاور عديدة نتطرق في هذه المقالة إلى الجانب السياسي فحسب. في هذا السياق لعل من التسطيح بمكان أن نتحدث عن الانسحاب الأميركي من العراق كما لو كان انسحاباً حقيقياً من الحياة السياسية والعسكرية فيه. فالولايات المتحدة لها أجندات أكبر من أن تتحدد برغبة رئيسها في تحسين فرص فوزه بفترة رئاسية ثانية. فقد أصبح العراق بالنسبة لها بمثابة مقر قيادتها في الشرق الأوسط، فالسفارة الأميركية في بغداد هي الأكبر في العالم وتتجاوز في مهامها وعدد العاملين فيها حاجة الولايات المتحدة لتلبية التزاماتها نحو العراق. من الصعوبة بمكان الحديث عن غياب الولايات المتحدة عن العراق بعد الحادي والثلاثين من ديسمبر المقبل، فهي ليست وحدها غير راغبة في ذلك فهناك قوى سياسية عراقية تشاركها الرغبة في البقاء على الرغم من أنها لم تصرح بذلك علناً.
حضور الولايات المتحدة في العراق سيتخذ شكلاً آخر بفعل عوامل عديدة ومن خلال قنوات عديدة، فوجودها العسكري الكثيف في الخليج العربي وسعة انتشار قواتها وكثرة قواعدها في المنطقة وقدراتها الاستخبارية هي ضمانات ذلك. كما أنها خلال السنوات التي أعقبت احتلال العراق قد أشرفت على صناعة عملية سياسية تستند إلى توازنات هشة جداً من الصعب إدامتها دون وجود أميركي وسيط في بعض الأحيان وضاغط أحياناً أخرى، مما لا يشجع على التصور بأن الانسحاب الأميركي عسكرياً وسياسياً من العراق في هذه المرحلة يسهم في جلب الأمن والاستقرار إلى ربوعه.
فعلى الرغم من التحسن الأمني في العراق إلا أن مدنه لا تزال تشهد بين الحين والآخر عمليات يذهب ضحاياها عدد من المدنيين من جهة وتشهد من جهة ثانية عمليات تصفية منظمة تطال النخب. أما على مستوى قدراته الدفاعية عن أراضيه ومياهه وأجوائه فلا شك أن العراق عاجز عن ذلك فهو لا يمتلك سلاحاً للدفاع الجوي ولم يعاد بناء جيشه بالقدر الذي يمكنه من الدفاع عن أراضيه. والحقيقة أن سبب هذا التلكؤ هو الرغبة الأميركية في إبقاء العراق عاجزاً بحاجة إلى حمايتها من جهة، وبسبب سوء الإدارة والاحتراب الداخلي وتفشي الفساد وإهمال قطاع الخدمات والعجز عن البناء، من جهة أخرى.
قد يُفسر الانسحاب الأميركي الشامل من العراق بطرائق مختلفة حسب الأهواء والمشارب، وقد يسعى البعض للحصول على ميزة في سوق المضاربات السياسية بالإدعاء بأن رفضه ومقاومته المستمرة للوجود الأميركي يكمن وراء ما يسميه هزيمة الولايات المتحدة.
إلا أن الحقيقة غير ذلك، الولايات المتحدة لم تهزم في العراق، كما أن المشروع السياسي الذي باركته لم يهزم هو الآخر. فهي لم تجد مقاومة تذكر حين قامت بغزو العراق، من جانب آخر لم تجد من المقاومة لوجودها، خاصة في السنوات الأخيرة، ما يدعو للإدعاء بأنها انسحبت تحت تأثير ضغوطات هذه المقاومة لتلافي المزيد من الخسائر. فقد بلغ مجمل خسائرها 4482 قتيلاً منذ غزوها العراق عام 2003، وهذا أكبر قدر من الخسائر التي تحملتها منذ انتهاء الحرب الفيتنامية، ومع ذلك فهي ليست سبباً للانسحاب، التفاصيل تكشف ذلك. ففي عام 2003 بلغت خسائرها 486 قتيلاً ثم وصلت هذه الخسائر أوجها في الأعوام 2004، 2005، 2006، 2007 بمعدل يتراوح بين 850 إلى 900 قتيل سنوياً، ثم عادت إلى الانخفاض لتصل عام 2008 إلى 314 قتيلاً ثم إلى 149 قتيلاً عام 2009 ثم إلى 46 قتيلاً فقط عام 2010.
الانسحاب الأميركي من العراق نقلة سياسية نوعية مهمة للغاية بالنسبة للعملية السياسية داخل العراق، ولكنه ليس نهاية للوجود والنفوذ الأميركي فيه. فمع أن قرار الانسحاب قد قوبل بارتياح لدى أوساط عديدة لأنه ينسجم مع المواثيق الدولية ويحرر الولايات المتحدة شكلياً من أية التزامات نحو العراق، إلا أن إدارة الرئيس أوباما ستجد نفسها مرغمة على اتخاذ جميع الوسائل التي تبقي خيوط اللعبة في أيديها لأن قرار الانسحاب لا يحظى برضا العسكريين الذين يرون أن ترك الساحة العراقية لا يخدم أهداف تحقيق الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط..
كما أن عليها أن تخفف من شدة المعارضة الجمهورية لهذا الانسحاب الذي أدانه قياديون فيها بأقسى العبارات. فها هو السيناتور جون مكين المرشح الجمهوري الذي نافس أوباما على الرئاسة يصف قرار الانسحاب بأنه «نكسة سيئة وحزينة للولايات المتحدة في العالم وانتصار استراتيجي لأعدائها»، في حين يصف المرشح الجمهوري المحتمل للرئاسة القادمة مت رومني الانسحاب فيقول «إنه فشل ذريع يعرض للخطر الانتصارات التي تحققت بدم وتضحيات آلاف الأميركيين منذ غزو العراق في 2003».