تحاول الانتفاضات الشعبية التي تجتاح العالم العربي منذ مطلع العام 2011، الإطاحة بأنظمة استبدادية تستمد شرعيتها من العصبيات القبلية، والممارسات القمعية، ونظام الحزب الواحد أو الديكتاتور الأوحد. وقد فاجأت انتفاضتا تونس ومصر، العرب وغير العرب، نظرا لسرعة انهيار رأس النظام السياسي، دون أن تنهار ركائزه البنيوية. لذلك اتخذت دول كبرى في البداية موقف المترقب، كالصين وروسيا، أو موقف المرحب والموجه كالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، خشية أن تتجه تلك الانتفاضات إلى إلغاء الاتفاقيات القائمة بين بعض الأنظمة العربية وإسرائيل.

ليس من شك في أن التدخل العسكري لحلف الناتو قد لقي ترحيبا من جامعة الدول العربية، مع تواطؤ ضمني من الصين وروسيا في مجلس الأمن. وسرعان ما تبين لاحقا أنه يندرج ضمن مخطط شامل للسيطرة على منطقة الشرق الأوسط، بدءا بالعراق فليبيا وصولا إلى سوريا، مما يحمي إسرائيل ويجعلها شريكا أساسيا في السيطرة على هذه المنطقة الغنية بالنفط، علما بأن الأزمة المالية العالمية، كانت من الأسباب الخلفية المباشرة التي أدت إلى مشاركة الحلف الأطلسي في إسقاط نظام القذافي، وهناك توجه واضح لاستخدام القوة العسكرية في إسقاط النظام السوري. فماذا كان موقف الصين من تلك التطورات المتسارعة على الساحة العربية؟

أبعدت الصين نفسها عن المشاركة في أحداث المنطقة، وامتنعت عن التصويت على قرار مجلس الأمن رقم 1973 الخاص بليبيا، مما سهل تبني القرار، وإطلاق يد قوات الناتو لتوجيه ضربات عسكرية لم تتوقف إلا بعد سقوط نظام القذافي وقتله.

أدركت الصين أن تدخل الغرب عسكريا في ليبيا كان يحظى بموافقة عربية ودولية، لكنها تخوفت من استخدام القوة لتغيير أنظمة سياسية في دول أعضاء في مجلس الأمن، وطالبت الأمم المتحدة في 23 مارس 2011، بوضع "استراتيجية شاملة لمنع النزاعات الدموية والحفاظ على السلام العالمي"، وأكد مندوبها في الأمم المتحدة دعمها الكامل للجنة بناء السلام الدولية. كما دعت المجتمع الدولي إلى مساعدة الدول التي تشهد نزاعات دموية، من أجل الحفاظ على وحدة الشعب والأرض، وبناء القدرة الوطنية، وتوظيف الشباب، ونشر التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وذلك يتطلب تعاون المؤسسات الدولية والمنظمات الإقليمية. وأكد الموقف الصيني رفض الحرب كأسلوب لحل النزاعات الدولية، مهما كانت الذرائع.

ثم تنبهت الصين إلى أن التدخل العسكري في ليبيا، يهدف إلى تدمير البنى التحتية فيها. فدعت دول العالم إلى احترام سيادة ليبيا، واستقلالها، ووحدة شعبها وأراضيها. وطالبت بتسوية سلمية للأزمة عبر الحوار والتفاوض، وشددت على أن مستقبل ليبيا يحدده الليبيون أنفسهم، دون تدخل خارجي. لكن تلك الدعوات لم تلق استحسانا لدى الليبيين والعرب، وبات دور الصين هامشيا، بعد إسقاط نظام القذافي بدعم من قوات الناتو الذي دخل ليبيا بصفته محررا.

على جانب آخر، وتعقيبا على خطاب الرئيس أوباما في 19 أيار/ مايو 2011 الذي جدد فيه دعم الولايات المتحدة لإسرائيل، دعت الصين إلى حوار سياسي بين الفلسطينيين والإسرائيليين على أساس حدود العام 1967، وكررت مواقفها الثابتة بضرورة إيجاد حل شامل ودائم للصراع في الشرق الأوسط، يحفظ مستقبل جميع دول المنطقة وشعوبها. فالقضية الملحة في الوقت الراهن، بالنسبة للصين، هي استعادة السلام في هذه المنطقة في أقرب وقت ممكن، وحل النزاعات القائمة عن طريق الحوار والمفاوضات، علما بأن أوباما نفسه أعلن دعمه لقيام دولة فلسطينية تعبر عن مطلب مشروع للشعب الفلسطيني، وعودة إسرائيل إلى حدود العام 1967. لكنه سرعان ما تراجع عن موقفه، تحت ضغط اللوبي الصهيوني الأميركي.

كررت الصين مطالبة إسرائيل بتطبيق قرارات الأمم المتحدة، والانسحاب من الأراضي العربية المحتلة. ودعت إلى تسوية مشكلة الحدود وغيرها عبر الحوار السياسي، وصولا إلى حل عادل للقضية الفلسطينية وتحقيق تعايش سلمي في منطقة الشرق الأوسط. ودعت المجتمع الدولي للضغط على الفلسطينيين والإسرائيليين من أجل استئناف محادثات السلام، على أن تلعب المنظمات الدولية دورا بناء في تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة. وتتفهم الصين قرار الشعب الفلسطيني بضرورة إنهاء الاحتلال، والإعلان عن دولة فلسطين عبر الأمم المتحدة. ونبهت إسرائيل إلى أن رفضها لتنفيذ القرارات الدولية، يضعها في مواجهة مع المجتمع الدولي.

بقي أن نشير إلى الفيتو المزدوج الصيني ـ الروسي الذي أسقط مشروع قرار في مجلس الأمن لإدانة سوريا، فأعربت الدول التي دعمته عن خيبة أملها لأن الفيتو منع معاقبة النظام السوري. لكنه أثبت أن المنظمة الدولية يمكن أن تلعب دورا بارزا في إعادة هيكلة النظام العالمي الجديد ليكون متعدد الأقطاب، كما أثبت عجز الأميركيين عن فرض إرادتهم على المجتمع الدولي، فبات مجلس الأمن المكان الأكثر قدرة على صنع القرارات الدولية. ورد التحالف الروسي - الصيني على تباكي الغرب على الديمقراطية، بإبراز تاريخه غير المشرف في وأد الحريات الديمقراطية في الشرق الأوسط، وفشله في نقل الديمقراطية الغربية إلى أي من دوله.

فالتحالف الجديد في مجلس الأمن، في حال استمراره، يمكن أن يعيد التوازن لدور المنظمة الدولية في حماية السلام العالمي. فقد تلاقى الروس والصينيون في مجلس الأمن، على منع قوات الناتو من احتلال سوريا بالقوة العسكرية. فلسوريا موقع استراتيجي مهم، وتفككها يؤدي إلى حرب أهلية مدمرة، تهدد منطقة الشرق الأوسط بأكملها. تجدر الإشارة إلى أن الصين أصدرت في 25 أكتوبر/ تشرين الأول 2011، أي قبل يوم واحد من زيارة وفد الجامعة العربية إلى سوريا، بيانا دعت فيه الحكومة السورية إلى الوفاء بوعود الإصلاح والاستجابة لمطالب الشعب السوري. وطالبت جميع الأطراف بحماية الوطن، ونبذ العنف، وطرح مواقف بناءه على طاولة الحوار.

ختاما، دعت الصين انتفاضات الربيع العربي إلى تبني الحوار السلمي، ونبذ العنف، وإيجاد تسوية سلمية شاملة لأزمة الشرق الأوسط. وشددت على تنفيذ إصلاحات شاملة وفق ظروف كل دولة، على أن يساعد المجتمع الدولي في تقديم الدعم المالي والتقني لها، وإيجاد المناخ الملائم لحوار بناء بين قوى المعارضة والموالاة. وتأمل الصين أن يلعب مجلس الأمن دورا فاعلا في تخفيف حدة التوتر في سوريا، وتجنب القرارات التي تستخدم لمزيد من التفجير الأمني. فهل تنجح سياسة الصين في تعزيز الحوار السياسي لحل النزاعات بالطرق السلمية، في منطقة ملتبهة كالشرق الأوسط؟