نسمع كثيرا أن العقل السليم في الجسم السليم، ولا شك أن هذه المقولة فيها كثير من الصحة، إلا أن الأكثر صحة منها - في يقيني - أن يكون العقل سليما. والعقل هنا بمعنى الوظائف التي أوكلها الله عز وجل إليه، من التمييز بين الحق والباطل، والقدرة على التعامل مع العالم المحيط بك، وكذلك استجلاء الحقائق، ولن يكون ذلك إلا بالنفس السليمة؛ لأن النفس العليلة تُحور وظائف العقل وقد تعكسها. ألم يقل الله تعالى عن الكافرين "أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها".

الله سبحانه وتعالى أجَل وأعدل من أن يخلق نفسًا عدوانية، أو غير سوية، ويخلق غيرها سوية. لكنه خلق فيها الوجهين؛ الخير والشر، السواء وعدمه، "ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها".

والمقصود بالتزكية هنا، تعهدها بالرعاية والتوجيه والمتابعة، وهنا يغلب جانب على آخر.

أردت من ذلك الإشارة إلى أن اللياقة النفسية تأتي بفعل فاعل، وبموجهات خارجية تدعم فطرة الله، وهي البيئة المحيطة، سواء في الأسرة التي انشغلت عن دورها التوجيهي، وخاصة في الجانب النفسي والاجتماعي للأبناء مكتفية برعاية أجسادهم، وكأن مراعاة مكنون ذواتهم رفاهية لا يجب النظر إليها بعين الاعتبار، أو أن الأبناء في السن المبكرة في غير حاجة أو أقل وعيا في هذا الجانب، وتلك من الأخطاء التي يرتكبها معظمنا في بيوتهم، في زمان اعتقدنا فيه أن توفير متطلبات أبنائنا من أدوات ترفيهية، وألعاب الكترونية، ورحلات ترفيهية، والاستجابة إلى ما يطلبونه، يجلب لهم السعادة؛ ناسين أو متناسين أن السعادة والرضا، والسلام مع النفس والغير، والتصالح مع الوجود كله، تنبعث من الداخل لا الخارج. بل إن هذه الحالة الداخلية هي الأساس المؤثر في التركيبة الفسيولوجية للجسم، وهي التي قد تجلب العلل فيه، أو تكون سببا في الشفاء من الأمراض.

ولأن الحال كذلك، كان من الأهمية بمكان اعتبار أن صلاح العقول والأجسام لا يكون دون صلاح النفس، والأمثلة في ذلك كثيرة. فلننظر - قليلا - إلى بذور الجريمة والسلوكيات غير السوية عند معتادي الإجرام، أو حتى القادة الذين جروا العالم إلى حروب عالمية وجلبوا الخراب على شعوبهم، وأحرقوا بلادهم، سواء نيرون في روما، أو هتلر خلال الحرب العالمية الثانية في ألمانيا، أو غيرهما، فستجد مفتاح ذلك لو تتبعنا خريطتهم النفسية وكيف كانت تنشئتهم. من هنا كانت فطنة المدارس على مختلف مشاربها وتوجهاتها، إلى أهمية وجود الأخصائي الاجتماعي في المدرسة، ودوره المحوري الذي لا يمكن الاستغناء عنه في استكمال الدور التعليمي داخل الفصول الدراسية. والدور التربوي ليس في توجيه الطالب فحسب، بل ليكون حلقة وصل بين الطالب وبين المعلم من ناحية، وبينه وبين الأسرة من ناحية أخرى.

واستوقفني ذات يوم ما قصه علي أحد الأصدقاء، من أن ابنه أخبره بسعادة غامرة، أن حوض السباحة في المدرسة سيتم تشغيله بعد سنوات عجاف من الجفاف والإهمال، وطلب منه أن يشتري له ملابس السباحة وأدواتها المختلفة، لأن المعلم سيعلمه كيف يسبح، وهذه من الأمنيات التي طالما تاق إليها وانتظرها، وفعل الأب. وفي اليوم التالي جاءه ولده منكسر النفس مطأطئ الرأس، وبنبرات المهزوم يطلب منه؛ هل يمكن إعادة هذه الحاجيات إلى المتجر مرة أخرى. فسأله لماذا؟ فقال له: إنني فاشل.

فردد: لما؟ فأجابه الابن: لأن معلم التربية الرياضية أخرج من حوض السباحة كل من لا يجيدون السباحة، وطلب منهم أن يكتفوا بمشاهدة الذين يجيدون السباحة فقط.. لمدة وجبتين دراسيتين تقتربان من الساعتين. فقال له أبوه: لا تحزن، ليس من الضروري أن يجيد الإنسان كل المهارات، وليس معنى أنك لا تجيد رياضة ما أنك فاشل، ولكن انظر حولك تجد أن لديك مهارات كثيره يفتقدها غيرك. إلى هنا انتهى الأب من روايته، وبدأت حيرتي!

وتساءلت؛ كيف لهذا المعلم أن يأتي بمسلك مثل هذا؟ وهل يجب أن يعامل التلاميذ في هذا السن بهذه الطريقة؟ ولم طلب من كل التلاميذ الاستعداد لتدريبات السباحة ما دام لن يفعل ويترك هذا الأثر السيئ في نفوسهم؟ وأين دور الأخصائي الاجتماعي في المدرسة؟ فأجاب صاحبي انه موجود، إلا إن المدير أوكل إليه مهمة المساعد الإداري، لعدم وجود مساعد وللتوفير في الميزانية. وهذا هو عين الخطأ؛ لأن دور الأخصائي الاجتماعي في المدرسة لا يقل عن دور المعلم داخل الفصل، وإنفاق المدرسة على البنية التحتية والتكنولوجيا لمساعدة التلاميذ في التحصيل، يجب أن يتوافق معه الإنفاق على إصلاح البنية النفسية والاجتماعية للتلميذ؛ لأن بصلاحها يأتي العلم بثماره، سواء حاضرا أم مستقبلا، وتوظيفه بما يعود بالخير على البشرية، بدلا من استخدامه لإيذاء نفسه ومن حوله؛ فلتصريف المعرفة وتطبيقاتها، تتعدد الوجهات والغايات.

إننا نخطئ كثيرا عندما لا نعير الجانب النفسي والاجتماعي للطفل اهتماما، أو نعتبره غير ذي بال، زاعمين أنه في هذه المرحلة السنية لا يحتاج إلا إلى رعاية جسدية وعناية خارجية، في حين أن هذه المرحلة السنية تشهد تغيرات متلاحقة ومتسارعة وشديدة التأثير، بل إن هناك بعض السمات النفسية والاجتماعية، مثل الخوف والانسحاب والخجل، قد تؤدي إلى اضطراب السلوك والقلق والاكتئاب، إضافة إلى أن جو الأسرة المحيط بالتلميذ، وطبيعة العلاقة بين الأب والأم، تؤثر لا شك في التركيبة النفسية والاجتماعية له، بما ينعكس على سلوكه وقدرته على التحصيل الدراسي.

الخطورة تتمثل في أن المشاكل أو الآلام الجسدية تمكن ملاحظتها والبدء بعلاجها، أما المشكلات النفسية والاجتماعية فقد لا يدركها حتى المصاب بها من كبار السن، فكيف حال صغار السن! ولا يلاحظها المحيطون به، وإذا حدث ذلك يتم تجاهلها، ولا يعيرونها الاهتمام.

إننا إذا أردنا تنشئة جيل متين الخلق، مثقف الفكر، سوي النفس، علينا أن نهتم بصحته النفسية والاجتماعية، كما نهتم بصحته البدنية في البيت والمدرسة. وأن لا نعتبر العوائق النفسية والاجتماعية خللا يجب أن نواريه بعيدا عن الناس، بل أولوية تسبق الكثير. وهنا يأتي دور الأخصائي الاجتماعي في المدرسة، في علاج مشكلات مثل عدم التكيف، وضعف التحصيل، فضلا عن جبر الكسر، وسد جوانب الخلل التي تنشأ في العلاقة بين الطالب والمعلم؛ لأن العقل السليم ليس فقط في الجسم السليم، ولكن أيضا في النفس السوية.