بما أن شهر أكتوبر الماضي هو شهر التوعية بالطاقة للجيش الأميركي، فإنه قد يكون من المناسب المبادرة لتذكير الرئيس الأميركي باراك أوباما، بأهمية النفط بالنسبة للأمن الاقتصادي الأميركي، وبالدور الذي تلعبه القيادة والصورة أثناء الحرب في عملية الاستحواذ عليه في مرحلة ما بعد النصر. ولا يمكن للمرء أن يوكل مهمة خوض الحرب إلى مصادر خارجية، ويقلل من شأنها لأنها مثيرة للاشمئزاز، ومن ثم ينسب النصر إلى نفسه، تماماً كما فعل أوباما في ليبيا. لا بد أن تكون لذلك تبعات.
عندما قتل الزعيم الليبي معمر القذافي في ضباب الحرب منذ فترة وجيزة، سارع الرئيس أوباما إلى الإشادة بـ"قوة القيادة الأميركية في مختلف أنحاء العالم"، وفي الوقت نفسه قال متباهياً: "لقد حققنا أهدافنا دون أن نرسل عضواً واحداً من أعضاء الخدمة العسكرية الأميركية إلى ساحة المعركة. وستنتهي مهمة حلف شمال الأطلسي عما قريب".
كم هو سحري ذلك القول!
دعنا نوضح الأمور. حين قال أوباما "أعضاء الخدمة العسكرية الأميركية"، فقد قصد الجنود الذين يرتدون بزات عسكرية أميركية، والذين يتم نشرهم من قبل الجيش الأميركي. ولم ينتق أوباما تلك الكلمات بمحض الصدفة، فالأميركيون الذين يعملون لدى شركات الأمن الخاصة المتعاقدة مع الحكومة الأميركية، هم موجودون حالياً في العراق وليبيا وأفغانستان وغيرها من الدول، ولكنهم، على نحو ملائم، لا يعدون جنوداً أميركيين من الناحية الفنية.
وليس هناك عيب في أن تعهد الحكومة الأميركية بالجهود العسكرية إلى كيانات مستقلة، وقد انضم العديد من موظفي القوات الخاصة والاستخبارات الأميركية الموهوبين إلى تلك الشركات الخاصة، من أجل الرواتب المرتفعة والحرية في اختيار المهمات. وهم ليسوا جميعاً من حراس أمن مراكز التسوق الذين يسعون للعب دور لورانس العرب، وينطبق مفهوم السوق الحرة على أدائهم، مع حصول الشركات المختصة في نهاية المطاف على العدد الأكبر من الفرص المتجددة. ولكن إيكال المهمات العسكرية إلى مصادر خارجية، لا يستطيع أن يحل محل قيادة من أعلى إلى أسفل تتسم بالقوة والوضوح.
والجانب الآخر من التعهيد، هو أنه عندما يمكن للقائد الأعلى للقوات المسلحة الأميركية أن يقول، كما حدث في المهمة الليبية، إن أميركا لم ترسل جنوداً يرتدون الزي العسكري الأميركي إلى أرض المعركة بشكل رسمي، في حين كان الفرنسيون يرسلون المعدات ومئات الجنود بالزي العسكري، فيصبح حينها من الصعب أن يطالب الجانبان بقدر متساو من غنائم النصر.
وعلى النقيض من أوباما، فقد عين الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي نفسه رئيساً تنفيذياً لتلك الحرب، وقام بزيارة المنطقة بصحبة رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون. ويعمد وزير خارجيته للتجارة الخارجية بيير لولوش، بالفعل إلى القيام بزيارات متكررة إلى ليبيا لضمان المردود.
وبقدر ما سيتذمر صفوة الجهلاء من أن المهمة الليبية كانت من أجل النفط، فإن الحقيقة هي أن ليبيا لم تكن مما يرصده الغرب إلى أن بدأ القذافي بالشعور بالاضطراب خلال الربيع العربي، وراح يضيق الخناق على المعارضين. وقد شكل ذلك مدخلاً للقيام بعمل عسكري تحت ستار الإنسانية، إلى درجة أن اليساريين الفرنسيين أبدوا أكبر قدر من التأييد للحرب بين جميع المجموعات الفكرية الأخرى في كل من الولايات المتحدة وفرنسا. وإذا كانت هناك أية عقود نفطية الآن، فهي مجرد امتياز، وليست سبباً للحرب في حد ذاتها، إذ إن ليبيا بحاجة لأن تبيع نفطها لشخص ما، ومن الممكن أن تبيعه لبلدان تشاطرنا قيمنا الغربية.
ومن خلال المحاولة بشدة لإظهار الافتقار إلى مهارات القيادة المباشرة والتحكم في العمليات العسكرية، وهو ما يفعله أوباما، على النقيض من سلفه جورج دبليو بوش، الذي اعتمد نهجاً قوياً للقيادة من أعلى إلى أسفل، وتحمل مسؤولية جميع العمليات العسكرية في الخارج، فإنه يجازف بوضع أميركا في موقف أقل قدرة على المنافسة للمطالبة بعقود للطاقة.
ويترادف كل من السلطة والنفوذ مع الطاقة والنفط. وقد توصل رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين، إلى تلك الحقيقة منذ زمن طويل، كما توصل إلى كيفية استغلال هيمنة النفط لبناء إمبراطورية عبر عدد من الدول، بما في ذلك اليابان وأوروبا وأميركا الجنوبية والصين والشرق الأوسط، وذلك أيضاً السبب وراء هوسه الحالي الشديد بالقطب الشمالي. إن وجود شركة "غازبروم" الروسية في ما يخص النفط الليبي معرض للخطر الآن، في أعقاب معارضة روسيا للعمل العسكري الليبي. وكان يفترض أن يشكل ذلك فرصة مثالية لأوباما. وفي حال ثبتت صحة التقارير الجديدة التي أفادت بتبني ليبيا الجديدة للشريعة الإسلامية بصورة أكثر إحكاماً، فإنه من الممكن أن تثبت أهمية التأثير من خلال الطاقة.
وقد سبق وقال علي الترهوني، وزير النفط والمالية في المجلس الوطني الانتقالي الليبي، إن الأولوية ستعطى للدول التي ساعدت ليبيا. وبشكل واضح، فإن ذلك يشمل فرنسا وبريطانيا. وبشكل أقل وضوحاً، فإنه من الممكن أن يشمل الولايات المتحدة أيضاً. ولو كانت أميركا في عهد الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، لشملها ذلك بوضوح وبشكل لا لبس فيه ولا غموض. هذه هي مشكلة تعهيد القيادة والمسؤولية والمشاركة، إذ إن المكافآت قد تكون غير مؤكدة بالقدر نفسه في النهاية.
إن الصورة لها أهميتها، وأميركا لا تستطيع تحمل نهج القيادة من المقعد الخلفي الذي ينتهجه أوباما في ما يتعلق بالقيادة في وقت الحرب، لا سيما عندما يكون النفط على المحك.