بلغ عدد سكان الكرة الأرضية هذا الأسبوع سبعة مليارات فرد، وكان هذا العدد ستة مليارات تقريباً قبل عقد، ويحذر الاقتصاديون من أن هذا التنامي في عدد السكان قد يكون أكبر من إمكانيات الكرة الأرضية، فلا الإنتاج الزراعي عاد كافياً ولا الإنتاج الحيواني ولا المواد الخام المستخرجة، وتتراجع كميات المياه الجوفية في باطن الأرض عاماً بعد عام، حتى أنها لم تعد تكفي حاجة استهلاك البشر اليومية، ناهيك عن حاجات الري والزراعة والصناعة والتعدين وغيرها، إضافة إلى تنامي الاستهلاك واتساعه إلى الدرجة التي لم يعد يكفي معها الإنتاج هذا النمو السكاني الهائل ونمط الحياة الاستهلاكي المدمر، والملفت للنظر أن هذه المخاطر المحدقة بمستقبل الإنسانية، والتي ستسبب كارثة محققة إن لم تبدأ مواجهتها منذ الآن، لم تثر اهتمام أو فضول المنظمات الدولية، أو حتى المنظمات الإقليمية المتخصصة، وكأن الأمر لا أهمية لتأثيره لا في حاضر الإنسانية ولا في مستقبلها.

في نهاية القرن الثامن عشر، أي قبل مائتي عام ونيف، اهتم عالم الاقتصاد الإنجليزي توماس مالتوس، بموضوع نمو السكان وقصور ثروات الكرة الأرضية عن سد حاجتهم، ورأى أن السكان يتزايدون باطراد والثروات ثابتة، وبالتالي استنتج أنه سيأتي اليوم الذي تعجز فيه الأرض عن سد حاجات سكانها من المياه والأغذية والألبسة والمساكن والمطالب الاستهلاكية الأخرى، وبالتالي سيتعرض البشر للجوع والعطش والفاقة، وينتهون إلى الموت بالملايين، ولم يكن سكان الكرة الأرضية في ذلك الوقت يتجاوز بضعة مئات من الملايين، ورأى مالتوس من خلال نظريته الشهيرة أن العالم، بسبب هذا الازدحام السكاني سيقع في معضلة، وأن الحل لن يكون إلا بالحروب والمجاعات، مما يؤدي في الحالتين إلى تراجع عدد السكان، ليبقى في حدود قدرة الكرة الأرضية على سد حاجتهم، ولكي لا يتعرض العالم إلى هذين الشرين (الحروب والمجاعات) رأى مالتوس ضرورة لجوء المجتمعات الإنسانية إلى تحديد النسل، أو تأخير الزواج وتعزيز الثقافة القائلة بذلك، أو الاستغناء عنه دورياً إلى حين كي تحافظ البشرية على عدد سكان يتناسب مع إمكانيات الأرض التي تكفي لعيشهم، ونشر هذه النظرية في كتاب عام 1798 عنوانه (بحث في مبادئ السكان) كان له أثر عميق في التأثير على المناصرين للنظرية من رجال الاقتصاد والاجتماع والسياسة.

لقد أثبت التاريخ خطأ نظرية مالتوس، فها نحن بعد مائتي عام من نشرها، مازلنا نجد على كرتنا من الخيرات ما يكفينا، رغم تنامي السكان والنهم الاستهلاكي، وتزايد سطوة الاحتكارات الرأسمالية ووحشيتها، ذلك لأن مالتوس أخذ الظروف القائمة في عصره بشكل ساكن وجامد وغير متطور، ورأى عطاءات الكرة الأرضية ثابتة، ولم ينتبه أو يأخذ باعتباره التطور العلمي والتقاني و(المعلوماتي) وتطور أساليب الاستثمار والإنتاج ونظرياتها وإمكانيات استصلاح الأراضي، أو تطور الصناعات، أو اكتشاف مواد جديدة قابلة لاستخدامها من قبل البشر بدلاً من مواد كانت موجودة، كما هو الحال في اكتشاف البلاستيك والألياف الصناعية والنايلون وغيرها من المواد التي حلت محل مواد تقليدية، وبكميات استثنائية، ولعل هذا يؤكد إمكانية الاستفادة من الثروات الموجودة في كرتنا الأرضية بما يجعلها تكفي أضعاف سكانها الحاليين.

إن المشاكل الأخرى التي تواجهها الإنسانية هي مشكلة ارتفاع حرارة الأرض، وتراجع كميات المياه المتوفرة، والتصحر الذي يؤدي إلى كوارث في نقص المواد الغذائية، مما يهدد بتغيير البيئة فوق سطح الأرض، والتأثير على توزع المياه، والنباتات، وانقراض بعض الحيوانات وغير ذلك.

من الواضح على أية حال، أن كرتنا الأرضية تواجه مشاكل صعبة ذات علاقة بسد حاجات سكانها من عدمه، حاجاتهم الغذائية والكسائية وحاجتهم للطاقة ولمواد الرفاه، لكن علماء الاقتصاد يقولون ان الأمر مع ذلك قابل للحل، شريطة أن تستجيب الاحتكارات العالمية، والدول الصناعية وخاصة الولايات المتحدة ، لاقتراحات العلماء المتعلقة بالعمل على خفض حرارة مناخ الأرض، والتوقف عن استنزاف المياه السطحية والباطنية، وقبل ذلك تخصيص الأموال والمتطلبات الضرورية لإجراء بحوث علمية وتجارب في هذه المجالات، من شأنها التوصل إلى مقترحات، يمكن لها أن تعالج مشكلة الغذاء ومشاكل حاجات السكان قبل استفحالها.

لقد رفضت الولايات المتحدة التوقيع على اتفاقية (كيوتو) المتعلقة باتخاذ إجراءات لمواجهة ارتفاع حرارة الأرض، ورغم الضغوط العالمية المكثفة، والمخاطر التي تتراكم بسبب عدم تنفيذ مقترحات هذه الاتفاقية، استمر الرفض الأميركي، لأن هذه الإجراءات المقترحة تنقص دخول الاحتكارات الأميركية، وتفرض عليها بعض التكاليف، واستمر رفض الإدارة الأميركية التوقيع، رغم تغير هذه الإدارة من جمهورية إلى ديمقراطية.

لو اهتمت الاحتكارات الرأسمالية بإجراء البحوث والدراسات المتعلقة بخفض حرارة الأرض ومكافحة التلوث، وإيقاف استنزاف المياه، والتصحر وزيادة الاستثمار فيما يؤمن الغذاء والحاجات المعيشية للناس والعزوف عن الاستثمار الوحشي لثروات الأرض، من الطاقة إلى الأخشاب إلى المياه إلى مجالات أخرى، لو فعلت ذلك لزال بالتأكيد خطر زيادة السكان وتزايد التفاوت بين حاجاتهم وبين إمكانيات الكرة الأرضية، ولاشك أن الأمر لا يقتضي ما اقترحه مالتوس، أي الحروب وتحديد النسل أو إيقاف الزواج، بل يتطلب مزيداً من الاستثمار العاقل والشامل والمتوازن والموزع على جميع البلدان والمناطق من جهة، وإلى تخفيف الجشع والاستثمار الوحشي وعدم الاهتمام بالبيئة أو بنتائج تدهورها المدمر من جهة أخرى.

إذا أردنا تسليط الضوء على المسؤول في هذا المجال، فلنسلطه على الاحتكارات المتوحشة التي لا تهتم بمستقبل البشرية.