عادت الخلافات العراقية - العراقية بقوة إلى موقع الصدارة في وسائل الإعلام، داخل العراق وخارجه في الأيام الأخيرة، إثر إجراءات خطيرة قامت بها الحكومة، ترتبت عليها ردود أفعال لا تقل خطورة، رغم أنها لمّا تنتهِ بعد. فقد قامت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بفصل 140 أستاذاً وموظفاً من جامعة تكريت، بحجة شمولهم بإجراءات هيئة المساءلة والعدالة من جهة، وقامت وزارة الداخلية، من جهة أخرى، بحملة اعتقالات واسعة شملت المئات من ضباط الجيش العراقي السابق والمنتمين لحزب البعث المحظور، في عدد من محافظات العراق. وقد اختلفت التفسيرات بشأن مبررات ودوافع هذه الإجراءات، ولكن التفسير الأكثر قبولاً هو أنها إجراءات استباقية أو إجهاضية، لما تعتبره الحكومة عملية انقلابية تتزامن مع قيام الولايات المتحدة بسحب قواتها، وتوقع حدوث فراغ أمني كبير. وقد تضاربت الأنباء عن المصادر التي استقت منها الحكومة المعلومات عن هذا الانقلاب، لتبرير حملة الاعتقالات الكبيرة هذه.

ردود الأفعال لذلك لم تقتصر على المشادة الكلامية في اجتماع مجلس الوزراء، بين رئيس الوزراء نوري المالكي ونائبه لشؤون الخدمات صالح المطلك، التي أدت إلى ترك المالكي قاعة الاجتماع غاضباً. فهذه ليست نهاية القصة، فالأزمة بين فرقاء العملية السياسية أكبر وأخطر من ذلك بكثير. فقد أعلنت محافظة صلاح الدين في السابع والعشرين من أكتوبر المنصرم، أنها قررت التحول إلى إقليم مستقل إدارياً واقتصادياً ضمن العراق الموحد، بعد أن صوت 20 عضوا من مجلس محافظتها البالغ عددهم 28 عضواً على ذلك. والمبرر الذي قدمه مجلس المحافظة، يمكن تلخيصه ببضع كلمات وردت في البيان الذي تلاه نائب المحافظ، وهو "سياسة الحكومة المركزية اللامسؤولة ضد أبناء محافظة صلاح الدين، وعمليات الإقصاء والتهميش التي تستهدفهم".

وهكذا دخلت الأزمة السياسية في العراق، في طور جديد وخطير من الصعب التنبؤ بمساراته، خاصة أن العلاقات بين القوى السياسية المشاركة في العملية السياسية منذ سقوط النظام العراقي السابق، يشوبها الكثير جداً من الشوائب التي وضعت العقبات أمام تحقيق الاستقرار، ووضعت العقبات كذلك أمام فرص البناء وتحسين الأوضاع العامة، وهو ما حصد نتائجه المريرة المواطن العراقي وحده.

قد يكون هناك اختزال كبير لواقع الأوضاع السياسية في العراق، حين نوجه الاتهام لهذه الجهة أو تلك، طالما يشترك الجميع في قيادة سفينة ما يسمى حكومة الشراكة الوطنية. إلا أن هناك استثناء في الحالة التي نحن بصددها، فاللوم يقع بالدرجة الرئيسية على عاتق الحكومة، لأنها تصرفت كما كان يتصرف النظام السابق، مدفوعة بهواجس أمنية تتعلق بسلامتها وبقائها فحسب، إذ من الصعب أن تقبل هذه الإجراءات في أطر نهج ديمقراطي يلزم الحكومة باحترامه والأخذ به، خاصة في هذه الظروف الاستثنائية التي يمر بها العراق، وهي ظروف تتطلب مرونة كبيرة تسمح بتوسيع رحاب ثقافة القبول بالآخر. فهذه الإجراءات قد أعادت عجلة المصالحة الوطنية دورات عديدة إلى الخلف، إن لم تكن قد أصابتها بالعطب.

الشراكة بين الأفراد في أي مجال، إن لم تبنَ على حسن النوايا وصفاء السرائر، تنتهي من غير شك إلى قطيعة تترتب عليها خسائر للأفراد أنفسهم، فما بالك بالشراكة في قضايا كبيرة جداً تتعلق بمستقبل بلد ومصير أمة، حين لا تكون أطراف هذه الشراكة أفراداً، وإنما أحزاب أو كتل سياسية تعمل في أجواء غير صحية تآمرية، إن صح القول، تنصب فيها الفخاخ للشريك وتحاك الدسائس لإسقاطه والإيقاع به. فقد برهنت الأحداث والممارسات على مدى السنوات الثمانية المنصرمة، أن الشراكة بين القوى السياسية في العراق هي شراكة على صعيد تحقيق المكاسب، وليس على صعيد البذل والعطاء لتحقيق المنجزات.

لم تعد المناكفات بين هؤلاء الفرقاء تقتصر على ما يحدث داخل صالات اللقاءات والاجتماعات المغلقة، وهو أمر طبيعي على أي حال، بل تجاوزت ذلك إلى استخدام ما يتوافر من قنوات إعلامية. والحقيقة أن ذلك نابع، بشكل رئيسي، من غياب الممارسات الديمقراطية الحقيقية. فلا تزال رواسب التفكير القبلي والعشائري والمناطقي والعرقي والمذهبي، ظاهرة أحياناً وكامنة أحيانا أخرى في أذهان عدد كبير من القيادات السياسية.

عودة للحديث عن إعلان مجلس محافظة صلاح الدين، لسنا بصدد التطرق إلى فرص هذا الإعلان من النجاح، أو عن مدى كون الطريق سالكاً تماماً نحو تحقيقه أم لا، إلا أن ما هو جدير بالانتباه ناحيته، هو أن الشرارة قد انطلقت نحو تفكيك العراق وتهميش المركز، بعد أن بدأت محافظات أخرى بالتهديد بالقيام بإجراءات مماثلة، لأسباب مماثلة بعض الشيء. فالحديث الخافت عن تكوين الأقاليم والخجل من طرحه علناً، قد بدأ يعلو ويلقى صدى إيجابيا في أكثر من محافظة.

ومع خالص التقدير لمجلس محافظة صلاح الدين والقناعة بسلامة نواياهم، إلا أننا نقول لهم بكل صراحة: ما هكذا تُورد الإبل أيها السادة. صحيح أن الدستور المفخخ يتيح لكم الحصول على ما أعلنتم عنه وفق آليات نص عليها، ولكنكم أو أغلبيتكم تنتمون إلى ائتلاف سياسي على رأس أجندته ترسيخ وحدة العراق، وليس إضعافها عبر التوجه نحو إنشاء الأقاليم وتوسيع المساحات الجغرافية للفيدراليات. فأين ما قررتموه من الأجندة التي جاءت بكم إلى مجلس المحافظة؟ خاصة أن محافظتكم بالذات قد رفضت إقرار الدستور عند الاستفتاء عليه عام 2005، بسبب اعتراضها على بعض بنود من ضمنها ما يتعلق بالفيدرالية وتشكيل الأقاليم. ولا ينبغي أن يكون لردود الأفعال على أحداث طارئة، مهما كبرت، تأثير في المواقف المبدئية من قضايا كبيرة تتعلق بوحدة أرض العراق.

صحيح أنه لا أحد يستطيع الدفاع عن الواقع السياسي الحالي في العراق، فالضالعون فيه والقياديون لمحاوره هم قبل غيرهم لا يستطيعون ذلك. فما يدعى الديمقراطية التوافقية، وما بني عليها من ممارسات تحت مسمى حكومة الوحدة الوطنية أو حكومة الشراكة الوطنية، كان فشلاً مطبقاً بكل المقاييس. ولن يعالج هذا الفشل بإدامته أو ترقيعه أو بإعادة توزيع الحصص من الكعكة الكبيرة، التي حرم من التمتع بمذاقها سواد الناس. ولكن ذلك لا يبرر اعتماد سياسات انعزالية عن بقية أجزاء العراق، التي هي الأخرى تعاني من مشكلات قد لا تكون بعيدة عما تعانيه محافظة صلاح الدين أو محافظة الأنبار.