بعد صدور النتائج النهائية لانتخابات تونس، تبين أن "حركة النهضة الإسلامية"، برئاسة راشد الغنوشي، حصلت على 90 مقعدا وبنسبة 47.41% من الأصوات في المجلس الوطني التأسيسي في تونس، الذي يضم 217 مقعدا. وفاخرت الحركة باحترامها لدور المرأة التونسية في العمل السياسي، حيث أشارت النتائج إلى وجود 42 امرأة من أصل 49 امرأة فزن في انتخابات المجلس الجديد.
في المقابل، نال "حزب المؤتمر من أجل الجمهورية" العلماني، 30 مقعدا بنسبة 13.28% من الأصوات. ونال "التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات" 21 مقعدا تمثل 9.68% من الأصوات. وكانت المفاجأة غير المتوقعة أن يعلن رئيس لائحة "العريضة الشعبية"، التي نالت 19 مقعدا وحلت في المرتبة الرابعة، انسحاب أعضاء الكتلة من المجلس التأسيسي، بسبب إلغاء الهيئة العليا المستقلة للانتخابات لست مقاعد من أعضائها الفائزين. وفور صدور النتائج الرسمية، اندلعت حركات احتجاج صاخبة في بعض المناطق التونسية، ومنها منطقة الشهيد محمد بوعزيزي.
لكن تلك الإشكالات العابرة تحل عن طريق الحوار الإيجابي، في إطار تعزيز الديمقراطية الناشئة حديثا. فقد شكلت الانتخابات أول اختبار لشعب تونس، الذي مارس حقه الطبيعي لأول مرة كمواطن حر في دولة عصرية مستقلة وذات سيادة غير منقوصة، لا تسمح بأي تدخل خارجي. وهو حق مشروع لشعب قدم قافلة كبيرة من الشهداء والجرحى، وخاض مناضلوه معارك شرسة طوال الفترة الممتدة من 17 ديسمبر/ كانون الأول 2010، تاريخ بدء الانتفاضة، وحتى 14 يناير/ كانون الثاني 2011، يوم هروب الرئيس زين العابدين بن علي إلى السعودية.
واستمرت النضالات الشعبية بطرق ديمقراطية حتى 23 أكتوبر/ تشرين الأول 2011، حين لبى التونسيون نداء الواجب الوطني، وشاركوا في انتخابات المجلس التأسيسي بنسبة عالية جدا تجاوزت الثمانين في المائة. فظهرت ريادة تونس مجددا، وقدمت نموذجا يحتذى لثورات الربيع العربي، من حيث كثافة المشاركة الشعبية، والتنظيم الجيد، والانضباط المثالي. وبينت تقارير خمسة عشر ألف مراقب محلي ودولي، أن الانتخابات جرت في جو من الحرية التامة والأمن والشفافية. وسجل المقترعون موقفا وطنيا جامعا، في استفتاء شعبي لتثبيت شرعية الثورة وتأكيد مسارها الديمقراطي السلمي.
لعل أبرز أسباب نجاح حركة النهضة في انتخابات المجلس التأسيسي، تعود إلى حسن تنظيمها، ونشاط أعضائها، وخطابها السياسي الذي عبر عن هموم المواطن التونسي.
في المقابل، فإن تشرذم القوى الأخرى، وصراعها في ما بينها، وخطابها التجريدي، وعدم جهوزيتها على أرض الواقع لمواجهة حركة النهضة المتجذرة في بنية المجتمع التونسي، كانت وراء فشل القوى اليسارية والليبرالية والعلمانية. ذلك يطرح تساؤلات منهجية حول قدرة الحركة على القيام بمسؤوليات كبيرة تتطلب إجماعا وطنيا، ومدى جهوزيتها الميدانية لقيادة المجتمع التونسي نحو مزيد من الممارسة الديمقراطية. فالانتخابات خطوة أولى لبناء ركائز دولة عصرية في تونس، على قواعد الديمقراطية، والحرية، والمساواة، والعدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، والكفاءة الشخصية. ولا يخشى التونسيون مصادرة ثورتهم، بعد الاحتكام إلى الديمقراطية العددية، لكنهم يطالبون الفائزين ببرامج واضحة للإصلاح السياسي والإداري في أجهزة الدولة، وبالتغيير الشمولي في البنى الاقتصادية والاجتماعية.
نخلص إلى القول إن تونس رسخت مسارها الديمقراطي الذي لا يجرؤ أي حزب، مهما بلغت شعبيته، أن يتلاعب به. فالشعب التونسي أنجز ثورته بنفسه دون تدخل من الخارج، وسلوكه الحضاري ساهم في إنجاز انتخابات حرة ونزيهة وشفافة، غير مألوفة في دول العالم الثالث.
لذلك حاول زعيم الحركة الشعبية أن يطمئن التونسيين، بأن الثورة أسقطت الرئيس بن علي وليس النظام التونسي. وبالتالي، عليها تقديم برامج مدروسة لإصلاح النظام، وليس تغييره في اتجاه آخر. فهي تواجه صعوبات كبيرة، في حال أقدمت على إقامة جمهورية إسلامية على خلفية جمهورية علمانية سابقة.
كما أن تشكيل حكومة، يفرض عليها القيام بتحالفات مع قوى علمانية وليبرالية لا تشاركها رؤيتها السياسية في ممارسة السلطة. ويرفض التونسيون هيمنة الحزب الواحد، أو التيار الديني المتشدد. وإبان الفترة التي سبقت الانتخابات، مارس التونسيون التعددية السياسية والحزبية بطريقة راقية، أسهمت في الانتقال التدريجي للديمقراطية والالتزام بممارسة العمل السياسي بحرية. والنهضة مدعوة إلى احترم الدستور الجديد، وتبني العقلانية والانفتاح على الشباب الذين خططوا للثورة، وما زالوا مصرين على تحقيق أهدافها.
كما أن الإصلاحات الداخلية تتطلب إجماعا شعبيا. وهناك مكاسب سابقة يصعب التراجع عنها، وأبرزها احترام حقوق المرأة، وعدم فرض قيود على قطاع السياحة، الذي يجتذب ملايين السياح ويدعم الدخل القومي التونسي بمليارت الدولارات. ويدرك قادة الحركة أن استخدام سلطة القمع التي عانوا منها طويلا، لن تعود مجددا إلى تونس، بل سترتد على الحركة أولا، في حال قررت تغيير صورة تونس العلمانية والليبرالية لتطبيق الشريعة إلاسلامية مكانها.
شكلت انتخابات المجلس التأسيسي انتصارا لإرادة الشعب التونسي، وأكدت حرصه على بناء ديمقراطية سليمة، تتلاءم مع البنية التعددية السياسية للمجتمع التونسي الجديد. ومن الضروري احترام خيار الناخبين التونسيين، الذين منحوا نسبة كبيرة من أصواتهم إلى حركة النهضة ذات التوجهات الإسلامية. في الوقت عينه، لا بد لحركة النهضة من احترام إرادة شعب تونس، الذي حجب عنها نسبة تقارب الستين في المئة من الأصوات.
وعليها أن تأخذ تلك الحقائق بعين الاعتبار، حين تضع برامجها للمرحلة الانتقالية في حال توليها زمام السلطة. فهناك مرحلة جديدة في تاريخ تونس، تتطلب تضافر جهود جميع القوى السياسية لبناء الجمهورية الثانية، على قاعدة المصالحة الشاملة، ومحاربة الفقر والبطالة، وبناء المجتمع الديمقراطي التعددي. وذلك يتطلب تفعيل المؤسسات على هدي الدستور الجديد، وعدم المس باستقلالية القضاء، وضمان المساواة بين جميع التونسيين، ومواجهة المشكلات التي تنتظر حلولا جذرية وسريعة، كالبطالة المرتفعة بين الشباب، والفقر الذي تعاني منه بعض المناطق التونسية الريفية، بسبب غياب الاستثمارات ومشاريع التنمية البشرية والاقتصادية المستدامة.
ختاما، أثبت الشعب التونسي تمسكه العميق بالديمقراطية والتعددية، في أول انتخابات حرة وشفافة في تاريخ تونس والعالم العربي.
وهي خطوة مهمة على طريق التحول الديمقراطي، والتعددية السياسية. وحركة النهضة أمام تكرار للنموذج التركي الأردوغاني لحزب العدالة والتنمية، أو إقامة نموذج عربي إسلامي جديد، يقوم على إجراء مصالحة تاريخية بين العلمانية والإسلام. والخيار الذي ستعتمده الحركة في قيادة تونس، يؤثر على مستقبل انتفاضات الربيع العربي.
فهل تنجح "حركة النهضة" في تقديم نموذج تونسي لديمقراطية سليمة، أم أن النظم الديمقراطية العربية ما زالت صعبة المنال في ظل التيارات الإسلامية؟