نجح الأميركيون في تفادي رصاصة إغلاق أخرى، ولكن خطة سد الفجوة المقبلة للحفاظ على مسيرة عمل الحكومة، ستستمر حتى 18 نوفمبر. ويقول الجمهوريون إن اعتماد تلك الخطة سيقتضي المزيد من التخفيضات في الميزانية. ومن ضمن أمور أخرى، يطالب الجمهوريون بفرض تخفيضات كبرى على برنامج غذائي مخصص للنساء والأطفال ذوي الدخل المنخفض. ومن شأن خطة الاعتماد المالي، التي أقرها البيت الأبيض في 16 يونيو الماضي، أن تمنع المساعدات عن أكثر من 700 ألف امرأة وطفل، مؤهلين للحصول عليها في العام المقبل. أي بلد هذا الذي نعيش فيه؟
وفقاً لتحليل أخير لبيانات التعداد، أجراه مركز جامعة نورث إيسترن لدراسات سوق العمل، فإن أكثر من عائلة من بين كل ثلاث عائلات أميركية تضم أطفالاً، تعاني حالياً من الفقر، أي 37% على وجه الدقة، وهي أعلى نسبة تم تسجيلها حتى الآن.
يتعرض برنامج "ميدكإيد" هو الآخر للهجوم، حيث يعتزم جمهوريو الكونغرس تقليص المساهمة الفيدرالية للبرنامج، بواقع 771 مليار دولار على مدى العقد المقبل، وإلقاء المزيد من التكاليف على عاتق الولايات والأميركيين من ذوي الدخل المنخفض.
إننا نعاني الآن من أسوأ اقتصاد منذ الكساد الكبير، والعائلات والأطفال ذوو الدخل المنخفض، هم الأشد تضرراً من ذلك. ومع هذا، فإننا نجادل حول إيقاف البرامج التي يحتاجها الأميركيون بشدة لتجاوز هذه المحنة.
ويندرج معظم البرامج الفيدرالية التي تساعد العائلات والأطفال ذوي الدخل المنخفض، ضمن ما يسمى بالفئة "التقديرية غير الدفاعية" من الميزانية الفيدرالية. ومن المؤكد تقريباً أن تقوم اللجنة العليا في الكونغرس، المكلفة بإيجاد تخفيضات بقيمة 1.5 تريليون في غضون أسابيع، باقتطاع حصة كبيرة من تلك الفئة، نظراً لسهولة الاقتطاع منها.
وبخلاف الاستحقاقات، تعتمد هذه البرامج على اعتمادات مالية سنوية. وحتى في حال لم توافق اللجنة العليا (وحتى إن وافقت، ولم يصادق الكونغرس على اقتراحها)، فإن محفزاً آلياً سيفرض تخفيضات هائلة على الإنفاق التقديري المحلي.
ويجري حالياً فرض تخفيضات كبيرة، على مستوى الولايات والمستوى المحلي. ومنذ أن بدأت السنة المالية في يوليو الماضي، لم تعد الولايات تستلم حوالي 150 مليون دولار من أموال التحفيز الفيدرالي، وهي الأموال التي كانت تستخدم لسد الفجوات في ميزانيات الولايات على امتداد العامين الماضيين.
وحتى الوقت الحالي من العام الجاري، عمدت 23 ولاية إلى تخفيض الإنفاق على التعليم. ووفقاً لمسح شمل موظفي الشؤون المالية في المدن وأصدرته الرابطة الوطنية للمدن مؤخراً، فإن نصف المدن الأميركية يواجه تخفيضات في المساعدات الحكومية المخصصة للتعليم.
ومع تردي قيمة المساكن، تواصل إيصالات ضرائب الملكية انخفاضها، وهذا يعني المزيد من تقليص الإنفاق على المدارس. وبالتالي فإن الأطفال يحصلون على غرف صفية أكبر، وساعات دراسية أقل، وأسابيع مدرسية أقصر، وتخفيضات في برامج مرحلة ما قبل الروضة (وقد ألغت ولاية تكساس برامج ما قبل الروضة لمئة ألف طفل)، ورسوم مقابل الكتب المدرسية والأنشطة اللامنهجية.
ويجري خفض الخدمات العائلية المحلية أو حتى إنهاؤها، وتم تسريح عشرات الألوف من العمال الاجتماعيين. وتعمد المدن والمقاطعات إلى خفض أو إلغاء مساهماتها في برنامج "هيد ستارت"، الذي يزود أطفال العائلات ذات الدخل المنخفض بالتعليم اللازم لمرحلة الطفولة المبكرة. كل تلك التخفيضات، كانت ستعتبر سيئة بما فيه الكفاية لو كان الاقتصاد يعمل بصورة طبيعية، ولكن فرضها في الوقت الحالي هو أمر لا يمكن الدفاع عنه من الناحية الأخلاقية.
لقد أضحى أغنى أعضاء المجتمع الأميركي أكثر ثراءً من أي وقت مضى، حيث يستولون على أكبر نسبة من إجمالي الدخل والثروات منذ 75 عاماً، ويدفعون أدنى معدلات ضرائب منذ ثلاثة عقود. ولا تقترب المقترحات المتواضعة التي يقدمها الرئيس الأميركي باراك أوباما لرفع الضرائب على الأغنياء، من المبالغ اللازمة لسد حاجات العائلات الأميركية.
وينبغي رفع معدلات الضرائب الهامشية في القمة، وأن يضاف المزيد من فئات الضرائب على أصحاب الدخول التي تتجاوز 500 ألف دولار، والتي تتجاوز 1,5 مليون دولار، والتي تتجاوز 5 ملايين دولار. ويجب أن تضاهي ضريبة الأرباح الرأسمالية في ارتفاعها، الضريبة المفروضة على الدخل العادي.
وينبغي أن تكون الثروة التي تزيد على 7,2 ملايين دولار، خاضعة لضريبة إضافية بنسبة 2%. ووفقاً لتحليل أجراه كل من بروس أكرمان وآن الستوت من جامعة يال، فإن تلك الضريبة من شأنها أن تساهم بما لا يقل عن نصف هدف تخفيض العجز، البالغة قيمته 1.5 تريليون دولار، والذي حددته اللجنة العليا ليتم الوصول إليه على مدى 10 أعوام.
ومن شأن فرض ضريبة صغيرة لا تتجاوز 0,5% على المعاملات المالية، أن تساهم بـ200 مليار دولار إضافية سنوياً، ولن يؤثر ذلك على كازينو وول ستريت على الإطلاق (وتوشك المفوضية الأوروبية على الإعلان عن ضريبة مشابهة في أوروبا).
كل ذلك يمكن فعله، ولكن فقط إذا أدرك الأميركيون ما هو معرض للخطر في هذا الموقف.
عندما قام الجمهوريون أخيراً باتهام الرئيس الأميركي باراك أوباما بإثارة "حرب طبقية"، أجابهم بأن المسألة كانت "مجرد مسألة رياضيات". ولكنها أكثر من مجرد رياضيات؛ إنها مسألة أخلاقيات.
وقد طرح الجمهوريون أعمق سؤال أخلاقي قد يواجهه أي مجتمع، وهو: هل نحن يد واحدة في هذه المحنة؟ وإجابتهم هي أننا لسنا كذلك. ويتعين على الرئيس أوباما أن يعلن، بصوت عال وبوضوح، أننا كذلك.