على مدى ست سنوات كنت فيها عضوا في المجلس القومي لحقوق الإنسان في مصر ـ باعتباري نقيبا للصحافيين المصريين ـ كانت إحدى القضايا المهمة التي أواجهها، هي أن التركيز كله كان على الحقوق السياسية، وهو أمر كان جديرا بأن يرضيني، لأنه كان يعني في النهاية تدعيم التوجه نحو حرية الصحافة ومساندتنا في المعارك المستمرة التي كنا نخوضها ضد قوانين استبدادية وأوضاع فاسدة وانتهاكات لحرية التعبير.

لكنني كنت ـ من ناحية أخرى ـ أحاول مع قلة من أعضاء المجلس، التنبيه على الدوام لضرورة أن يتوافق ذلك كله مع الاهتمام بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، باعتبارها الخطر الأساسي الذي يهدد بانفجار مدمر. وعندما ذهبت لتقصي الحقائق في بعض حوادث الفتنة الطائفية في هذه الفترة، كنت حريصا على أن أضع أمام المجلس الحقيقة التي نهملها في معظم الأحيان، وهي أن الفقر والبطالة هما اللذان يخلقان البيئة المناسبة لزرع أفكار التعصب والتطرف، ومن ثم السير بشباب محبط نحو جحيم الفتنة الطائفية.

وأظن أن هذه الجهود في التنبيه لضرورة الالتفات للحقوق الاجتماعية والاقتصادية، قد أثمرت في النهاية في طرح مشاكل مهمة مثل البطالة والعشوائيات، والخروج بمقترحات رفعت لقيادات الدولة في هذا الوقت، ولم يلتفت لها أحد بطبيعة الحال، وبطبع النظام وقتها!

وعندما ذهبت بصحبة الدكتور بطرس غالي، رئيس المجلس والأمين العام الأسبق للأمم المتحدة، إلى الجزائر للمشاركة في مؤتمر جمع المنظمات العربية الرئيسية لحقوق الإنسان، كنت مستبشرا كل الخير بأن يتنبه الناشطون العرب في هذا المجال إلى خطورة تدهور الأحوال الاقتصادية والاجتماعية للغالبية العظمى من الشعوب العربية، والحاجة الشديدة إلى التركيز على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، بجانب الحقوق السياسية التي تستأثر بمعظم الاهتمام، بسبب طبيعة الأنظمة العربية وخصامها مع الديمقراطية والحريات.

لكن ما حدث أن معظم الأشقاء تركوا موضوع المؤتمر، ليعودوا للحديث عن الموضوع الأثير لديهم وهو الحقوق السياسية، ولهم بالطبع عذرهم، وبسط ظروف القمع التي يواجهونها في بلادهم، ومع انتماء معظمهم إلى مدرسة فكرية لم تكن ترى في "العولمة" إلا جوانبها الإيجابية، ولم تكن ترى في الرأسمالية جوانبها المتوحشة، ولم تكن تريد ـ في هذا الوقت ـ أن تستمع لتحذيرات أمثالنا من أن "العولمة" بالطريقة التي تتم بها لا تؤدي إلا لاستمرار الدول المتقدمة على تقدمها وثرائها، واستمرار دول العالم النامي في فقرها، وأن نموذج الرأسمالية الذي يجري الترويج له سيؤدي إلى زيادة الفجوة في معظم الدول العربية، بين أقلية تزداد ثراء وأغلبية تزداد معاناتها، وأن الخطر يزداد في دول مثل مصر مع انهيار الطبقة الوسطى، التي كانت على الدوام صمام الأمان وقاطرة التقدم.

وعندما انطلقت ثورة الربيع العربي كانت كل المخاوف تتركز على إمكانية أن تنفجر الطاقات المدمرة فتحرق كل شيء، وفي مصر بالذات كان الوضع شديد الخطورة من هذه الناحية، فالتفاوت كان قد بلغ مداه، والفساد يمارس بلا حياء، والنظام السابق نفسه كان يعترف بأن ثمار التنمية التي وصلت معدلاتها في السنوات السابقة إلى مستوى لا بأس به، لا تصل للناس بل للقلة المحظوظة، وأحياء الأغنياء تحيطها أكواخ الفقراء في العشوائيات.

ثم كان الأخطر حين انهار جهاز الأمن الداخلي، وأصبحت مصر بلا شرطة، وأصبح الأمن مسؤولية كل مواطن، ومع ذلك عبرت مصر هذه الفترة الصعبة، وكان ذلك إنجازا يشبه المعجزة .. فلا تدمير، ولا نهب، ولا حوادث طائفية، بل التفاف على الثورة وعلى شعاراتها التي جمعت الكل حول الديمقراطية والكرامة والعدالة الاجتماعية، في إدراك عفوي لأن الطريق ينبغي أن يكون واحدا نحو الحرية ورغيف الخبز معا.

بعد هذه الشهور الصعبة منذ اندلاع الربيع العربي، يبدو الموقف شديد التعقيد، ومع ذلك فهناك خطوات على طريق إعادة صياغة الحياة السياسية، وانتخابات لجمعية تأسيسية في تونس، وانتخابات برلمانية بدأت معركتها في مصر، ولا يدري أحد هل ستمضي في طريقها أم تعطلها اضطرابات الأمن واستمرار غياب الشرطة، وتعطل جهاز العدالة بسبب خلافات القضاة والمحامين.

على الجانب الآخر، يبدو الجانب الاجتماعي مضطربا بين مطالب فئوية متعددة، ومحاولات لتطبيق حد أدنى للأجور، وصعوبات تزداد على الفقراء، بسبب الغلاء من ناحية وتراجع الإنتاج لفترة، وعدم البدء في برامج سريعة لخلق فرص عمل جديدة.

التركيز على الجانب السياسي مفهوم، خاصة مع صراعات القوى السياسية ورغبتها في أخذ نصيبها في السلطة الجديدة قبل أن تتغير الموازين، وأيضا مع ضغوط خارجية تشترط المضي في نقل السلطة لمؤسسات منتخبة، كشرط لتقديم المعونات الاقتصادية الأميركية والأوروبية التي تحتاجها مصر بشدة.. لكن ماذا بعد؟

أظن أن الأمور لو سارت بهذا الشكل فسوف نواجه أزمة عاتية بعد الانتخابات، التي ستفرز ـ كما هو متوقع ـ برلمانا لا يمثل الثورة، وانقساما حادا في المجتمع، خاصة أن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية ستكون في المقدمة، وأن القوى السياسية المختلفة لم تقدم جديدا في هذا الشأن، ولم تقترح أي برامج للتعامل مع المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي تزداد وطأتها على الأغلبية الفقيرة.

والنموذج الذي تسعى أميركا وأوروبا للترويج له، ولأخذ ضمانات بسير الثورات العربية في طريقه، يتعرض الآن لضربة شديدة، وحركات الاحتجاج تتصاعد في أميركا وأوروبا على الأنظمة المتهمة بالانحياز هناك للأغنياء، والملايين التي تتدفق من الخارج على أحزاب وقوى سياسية مصرية، لضمان انتهاج سياسات تنتهي بالثورة إلى إعادة إنتاج النظام السابق بصورة جديدة، لم تعد تستطيع إنجاز المهمة، والواقع الصعب الذي تعيشه الأغلبية من المواطنين يفرض تحركا سريعا، لا ينتظر حتى انتهاء الانتخابات للتعامل مع القضايا الاقتصادية والاجتماعية، بل وإعطائها الأولوية على غيرها من القضايا.

وبالطبع، فليس المطلوب أو المتصور أن يتم إصلاح هذه الأوضاع بين يوم وليلة، ولكن المهم أن تكون هناك بداية جادة وتحديد لسياسات جديدة أكثر عدلا، ولبرامج تقتحم المشكلات ولا تكتفي بتجميل الحكومات. الأضواء كلها ستكون مركزة في الفترة المقبلة على الانتخابات، لكن القنابل القابلة للانفجار في وجه الجميع، ستكون مختفية في أماكن أخرى، والتعامل السريع لا ينبغي أن ينتظر الانتخابات أو يرتبط بتوزيع غنائمها!