إن حدثاً كالحدث الليبي، وما جرى خلاله وحسبه في ليبيا ومحيطها، يستحق التأمل والدراسة وأخذ العبر، سواء من شعوب المنطقة أم من حكامها، ذلك لأن الذي حدث في ليبيا، وقبلها في العراق، إنما يرسم صورة للسياسة الدولية في مطلع القرن الواحد والعشرين، ويعطي مؤشراً على العلاقات الجديدة بين الدول الكبرى والدول الصغرى، إضافة إلى أنه يقدم عبراً مجانية للأنظمة الاستبدادية الحاكمة في البلدان ذات الحكم الشمولي، ويؤكد للحكام الطغاة والدكتاتوريين ضرورة تغيير رؤاهم للحكم وبنيته وللشعوب ومصالحها ومشاركتها، واعتقادهم أن شعوبهم تحبهم وعلى استعداد للموت في سبيل بقائهم واستمرارهم، وقد سمعنا دعوات العقيد القذافي وصرخاته (للملايين) بعد سقوط طرابلس، وطلبه منها أن تثور وتقضي على (الجرذان) وعلى حلف شمال الأطلسي، وبقي العقيد حتى اللحظات الأخيرة يعتقد أن جحافل الجماهير تتحفز للثورة معه وإنقاذ نظامه، ولعله قتل وهو ينتظر عمليات الإنقاذ هذه من ملايين المحبين.

أعلن العقيد القذافي منذ الأيام الأولى للثورة الليبية أنها عصيان (جرذان) يقودها (سلفيون وانفصاليون وموتورون وخونة) ورفض إعادة النظر بهيكلية نظامه وسلوكه أو الاعتراف لشعبه بالحق بالشراكة بالسلطة والثروة، ودفع كتائبه المسلحة لتقصف هؤلاء (الجرذان)، كما دعا (ملايين المحبين) من شعبه للنهوض والثورة، وبقي على هذا الأمر والاعتقاد حتى اليوم الأخير من حياته، ولعل هذا كله يشكل رسالة لكل طاغية ومستبد بضرورة التخلي عن أوهامه حول شعبيته. وأن الطاغية أعمى وأصم، لا يرى إلا نفسه، ونرجسي شخصاني إلى حد المرض.

طلبت الجامعة العربية، استناداً إلى طلب الثوار الليبيين من مجلس الأمن التدخل لحماية المدنيين الليبيين الذين ولغ القذافي في قتلهم، وأطلق كتائبه المتوحشة لتقوم بهذه المهمة، من دون حدود ولا قيود ولا تقاليد، وكانت الغاية من الطلب حماية المدنيين، لأن مثل هذه الحماية ستؤدي إلى تعبيد الطريق أمام سقوط النظام، الذي كان يتمناه الجميع في الداخل والخارج، والذي قد لا يكون بالإمكان إسقاطه سوى بتدخل مجلس الأمن وقوات الأطلسي، أي بصريح العبارة كان الهدف النهائي من الدعوة هو أن تساعد قوات الناتو بإسقاط نظام القذافي، إلا أن الذي حصل هو أن هذه القوات لم تقم بإسقاط النظام فقط، بل عمدت إلى إسقاط الدولة الليبية بكل ما بها وما لها. فبدلاً من أن تسقط السلطة (القذافية) وامتداداتها مثل السلطات التنفيذية والتشريعية والأمنية وقوانينها الجائرة، أسقطت الدولة الليبية برمتها، بكل ما فيها من جيش وقوات شرطة مدنية، ومؤسسات إنتاجية، وإدارية وثقافية، وجعلتها قاعاً صفصفاً، ويقول بعض الاستراتيجيين العسكريين (الخبثاء)، أنه كان بإمكان قوات حلف شمال الأطلسي أن تقضي على القذافي ونظامه قبل بضعة أشهر، إلا أنها أجلت ذلك حتى تنتهي من تدمير أسلحة كتائب القذافي وجيشها، حتى تزود ليبيا بعد سقوط النظام بأسلحة غربية (فرنسية وإنجليزية)، تماماً كما دمر سيء الذكر (بريمر) الجيش العراقي وحله، وتبرع بأسلحته (حديد خردة) لمن يريد، وبالتالي كان المطلوب تدمير نظام القذافي فدمرت قوات الأطلسي النظام والدولة، ولعل هذا عبرة لمن مازالوا موهومين بأن الغرب يطمح لبناء الديمقراطية في بلادنا، ويسعى لتخليصنا من أنظمتنا الاستبدادية القمعية المتوحشة.

تراوحت التوقعات حول ثروة العقيد القذافي وأبنائه وأقربائه المودعة في البنوك الخارجية (في أوروبا وأميركا وأفريقيا) بين مائة ومائتي مليار دولار، وهذه المليارات سرقت من أموال الشعب الليبي، وهذا يشير إلى غياب القانون الذي يحفظ أموال الدولة في الأنظمة القمعية، كما يؤكد استباحة الحكام الطغاة مال الشعب، وربما يتداخل في أذهانهم أن الشعب حل بهم، وأن ماله حلال لهم، وأخيراً يشير إلى أن من (يأكل الفضة لا يشبع)، وبالتالي لم يعد يكفي هؤلاء الحكام سرقة مليار أو اثنين، بل يصابون بمرض حب تكديس الثروة، والأخطر والأسوأ هو أنهم يودعون هذه الأموال إما بأسمائهم شخصياً أو بأسماء مزورة، أو أحياناً يكون مفتاح سحبها (صوتهم)، وفي الحالات كلها، إذا حل بهم مكروه وتوفوا أو قتلوا أو (استشهدوا) تقتل معهم هذه الأموال التي لا يعرف أسرارها غيرهم. ولعل هذا يلقي ضوءاً على الاستعجال في قتل العقيد القذافي، حيث قتلت معه هذه الأموال وأصبحت (حلالاً زلالاً) للبنوك الأجنبية المودعة فيها، وعلى ذلك فإن الشك بأن قتل القذافي كان حادث ثأر، أو رد فعل أو ما يشبه ذلك هو شك في محله، حيث رحل الرجل ومعه أسرار أمواله والبنوك المودعة فيها، والصفقات السياسية والأمنية وغيرها التي عقدها مع جهات خارجية، والجعالات التي قدمها لسياسيين من خارج بلده، فقد ماتت مع العقيد القذافي ليس فقط المبالغ الخيالية لأمواله وإنما أيضاً أسرار أربعين عاماً من التعامل مع أحزاب ومنظمات وسياسيين أجانب، وكان الأولى الانتظار للحصول على هذه الأسرار ثم محاكمته، وفضح أساليبه وبطشه وجرائمه التي ارتكبها بحق شعبه.

لقد بدأ الخلاف بين أعضاء المجلس الوطني الليبي المؤقت منذ عدة أسابيع، وقبل السقوط النهائي لنظام القذافي. ولم ينتظر هؤلاء ذوو الآراء المتباينة حتى سقوط النظام ليفجروا خلافاتهم، ولعل ذلك يدل على أن همومهم أخرى، شخصية، أو ذاتية أو حزبية أو مناطقية، أو أيديولوجية، قبل أن تكون هموماً وطنية عامة، ويبدو أن الأولويات غير واضحة وغير متفق عليها لدى أعضاء المجلس الوطني بمختلف تشكيلاته، وكان غريباً إعلان رئيس المجلس في يوم النصر إلغاء كل القوانين المخالفة للشريعة الإسلامية، لأنه لا توجد في ليبيا ولا في أي بلد عربي قوانين مخالفة للشريعة الإسلامية، ونحن نعلم أن القذافي كان من أكبر المنافقين والمدلسين والمدعين تطبيق شرائع الإسلام، ويبدو أن المجلس الوطني الليبي أو بعض أعضائه بدأ اللعب على نفس الوتر منذ اليوم الأول للمرحلة الجديدة.

وأخيرا...العبرة لمن يعتبر.

كاتب سوري