إذ توشك الولايات المتحدة على طي صفحات عديدة مؤلمة لشعبها ولشعوب أخرى في الشرق الأوسط، دامت لعشر سنوات من انشغالها في أفغانستان والعراق، بانسحاب شبه كامل من العراق وتخفيض كبير لوجودها العسكري في أفغانستان مع نهاية عام 2011، بدأت بالإعلان عن استراتيجيتها لحقبة السنوات العشر القادمة. الاستراتيجية الجديدة تدعو للتأمل والتوقف عند بعض محاورها العديدة، بغية دراستها وتحليل تبعاتها، وما سيترتب على ذلك من تداعيات كبيرة على الوضع الأمني في العالم أجمع من جهة، وعلى أمن واستقرار منطقة الشرق الأوسط من جهة أخرى.

فقد نشرت مجلة "فورن بوليسي" الأميركية في عددها الصادر في نوفمبر، مقالة مطولة لوزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون، تحت عنوان "عصر أميركا في المحيط الهادئ"، رسمت فيها ملامح استراتيجية جديدة ستنتهجها الولايات المتحدة في السنوات العشر القادمة، جوهرها "دخول الولايات المتحدة في استثمار دبلوماسي واقتصادي واستراتيجي متزايد في المحيط الهادئ".

الولايات المتحدة دولة عظمى، ليس فقط من حيث حجم اقتصادها الأكبر في العالم أو قدراتها العسكرية الأكبر والأقوى في العالم أيضا، بل من حيث المساحة التي تشغلها على الكرة الأرضية كذلك، فهي تطل من الناحية الجغرافية على المحيطين الأطلسي والباسفيكي (الهادئ) في آن واحد. وقد بنت استراتيجياتها منذ بروزها كقوة عظمى في العالم نهاية الحرب العالمية الثانية، على أنها دولة "أطلسية" لأن المحيط الأطلسي هو الذي يربطها بالقارة الأوروبية، الحليف الأكثر أهمية في مرحلة الحرب الباردة. فهل تعبر الاستراتيجية الجديدة التي أعلنتها الوزيرة كلينتون عن تحول في رؤى الولايات المتحدة لمصالحها يتطلب تحولها إلى دولة "باسفيكية"، لأن المحيط الباسفيكي (الهادئ) هو الذي يربطها بالقارة الآسيوية؟

الحقيقة أن ما أعلنته الوزيرة كلينتون لا يمكن اعتباره رؤية خاصة بالحزب الديمقراطي الذي تنتمي إليه، حيث سبقها الجمهوريون في الالتفات ناحية ذلك. فقد أشار وزير الخارجية الأميركية الأسبق الجمهوري هنري كيسنجر، أحد أبرز المنظرين في السياسة الخارجية الأميركية، في مقالة هامة نشرت في إبريل من عام 2008 في صحيفة الواشنطن بوست تحت عنوان "الثورات الثلاث"، إلى أهمية الالتفات ناحية المحيط الباسفيكي، حين كتب ما نصه "هذا هو أول جيل في التاريخ يواجه ثلاث ثورات عالمية متزامنة، هي: تغيير النظام التقليدي في أوروبا، والتحدي الإسلامي الراديكالي لمفاهيم السيادة التاريخية، وتحول مركز الثقل الدولي من المحيط الأطلسي إلى المحيطين الباسفيكي والهندي".

الولايات المتحدة لها حضور في منطقة المحيط الهادئ والمحيط الهندي، التي تضم تقريباً نصف سكان العالم، ويوجد فيها عدد من الاقتصادات الكبيرة، أبرزها في اليابان وفي الصين وفي كوريا الجنوبية، إضافة إلى الاقتصادات سريعة النمو في كل من الهند وماليزيا وأندونيسيا، إلا أن الاستراتيجية الجديدة تتطلب حضوراً أكثف لها، لأنها ترى أن التحدي الحقيقي لدورها القيادي في العالم يكمن في هذه المنطقة.

لا شك أن أحد أبرز الأسباب للتوجه الأميركي الجديد، هو العامل الاقتصادي الذي أهل الولايات المتحدة لتتبوأ المركز القيادي الذي هي فيه، فهي ترى أن الأسواق الكبيرة المفتوحة في آسيا، تمثل فرصة نادرة أمامها للاستثمارات على مستوى واسع. فالخروج من الأزمة المالية الخانقة التي لا تزال تمسك بتلابيبها، كما تقول كلينتون، لن يتأتى من غير استرجاع القدرة التصديرية لشركاتها، وتعزيز قدرة هذه الشركات للحصول على حصة من الأسواق الكبيرة جداً في آسيا، متناسية أن هناك مخرجاً قد يكون أكثر نجاعة لذلك، وهو إعادة النظر في فلسفة الاقتصاد الحر نفسها، في ضوء التداعيات المالية الخطيرة التي أدخلت العالم في نفق الركود الاقتصادي الذي نشهده منذ عام 2008، والذي نجم عن الأخذ بهذه الفلسفة، وتعزيز دور الدولة في التخطيط والرقابة والإدارة للاقتصاد.

لكن تحقيق ذلك يتطلب توافر عوامل عديدة، أكثرها أهمية ضمان الاستقرار والسلم في هذه المنطقة، التي لا تقل عن منطقة الشرق الأوسط في حجم وخطورة الأزمات الكامنة فيها. فهناك النزاع الكوري ـ الكوري، والخلاف بين روسيا واليابان حول عائدية جزر الكوريل، والعداء بين الصين وتايوان، والتنافس بين الصين والهند وخلافاتهما الحدودية، وقضية التيبت والموقف من الدالاي لاما، والقدرات النووية لكوريا الشمالية، والنزاع بين فيتنام والصين على جزر باراسيل، وحرية الإبحار في بحر الصين الجنوبي، والنزاع بين اليابان وتايوان على جزر دياغو أو سينكاكو. كما أن تنظيم القاعدة ليس بعيداً تماماً عن المنطقة، فقد زار أكثر من دولة فيها.

مدخل الولايات المتحدة للاستراتيجية الجديدة، سيكون من خلال أصدقائها في تلك المنطقة الذين تربطهم بها اتفاقيات أمنية استراتيجية، وهم اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا وتايوان والفلبين، الذين سيجدون في الاستراتيجية الأميركية الجديدة المزيد من الأمن والاطمئنان.

من ناحية أخرى، هناك من يرى أن هذه الاستراتيجية ليست في صالحه، وقد يعتبرها استفزازاً يهدد دوره القيادي في المنطقة، وأبرز من سيرى ذلك هي روسيا والصين، خاصة أن الوزيرة الأميركية لم تخفِ أهداف الولايات المتحدة من ذلك، حين أشارت إلى أن هذه النقلة الاستراتيجية تنسجم مع الجهود التي تقوم بها الولايات المتحدة في مختلف مناطق العالم، لضمان وإدامة قيادتها.

ورغم ما في هذه الاستراتيجية من تعقيد وما ينتظرها من عثرات، إلا أنها قد تجد فرصاً للنجاح إذا تمكنت الولايات المتحدة من تحويل العلاقة مع الصين إلى علاقة شراكة، وليس علاقة تنافس، خاصة أنها تدرك أن القادة الصينيين على وعي تام بأن الطريق الذي أوصل بلدهم إلى هذا المستوى من النجاح والرخاء الاقتصادي، هو الرؤى الغربية لإدارة الاقتصاد التي أسهمت الولايات المتحدة بقسط كبير في بنائها وإنضاجها. فالعلاقة المستقبلية مع الصين، تعتبر أكبر تحدٍّ يواجه الولايات المتحدة في استراتيجيتها الجديدة.

الولايات المتحدة أمام تحديات كبيرة تواجه استراتيجيتها الجديدة، تحتم عليها العمل بصبر وأناة ويقظة، لتحقيق النجاح الذي ترنو إليه، فهي لا تستطيع التعامل مع دول الباسفيكي بنفس الطريقة التي تتعامل بها مع دول الشرق الأوسط، فشتان بين المنطقتين، فهنا صغار وهناك عمالقة.

 

كاتب عراقي