موضوع البحث الذي كلفت به طلاب مادة النظام السياسي الأميركي في هذا الفصل الدراسي، هو الانتخابات التمهيدية الأميركية التي تدور الآن بين المرشحين الجمهوريين. فالمطلوب منهم دراسة كل من المرشحين الجمهوريين الذين تقدموا لخوض السباق، والقضايا الداخلية والخارجية التي يطرحها، ونوعية الجمهور الذي يستهدفه، ومعنى ذلك كله بالنسبة لأميركا والعالم.
ويهمني كثيرا في مثل هذه الأبحاث، تفاعل الطلاب مع موضوعهم، ونوعية الأسئلة التي تشغل ذهنهم طوال فترة إجراء البحث، وما يخرجون به في النهاية. ففي عام 2008 الانتخابي، كنت قد كلفت طلابي بمشروع بحثي مشابه. وقتها، كان السؤال الذي شغلهم هو السبب وراء محدودية الاهتمام بالسياسة الخارجية في دولة عظمى، كانت وقتها متورطة في احتلال بلدين كبيرين، وتحظى بسخط عالمي واسع النطاق.
لكن ما صدم هؤلاء الشباب حينئذ، كان ما أفصح عنه أغلب المرشحين، خصوصا الجمهوريين، لمنصب الرئاسة من جهل فاضح بالعالم من حولهم وبما يجري فيه، بل والتطرف الشديد في المواقف التي اتخذها عدد منهم. فقد أدرك الشباب أن حالة بوش الابن ليست استثناء، وإنما يمكن تكرارها مع مرشح آخر. ومما كان يثير حيرة الشباب، هو التأييد الذي يحصل عليه هؤلاء المرشحون من الناخبين. فكان السؤال الذي يطرح نفسه، يتعلق بالسبب الذي يجعل بإمكان أمثال هؤلاء من أصحاب المواقف المتطرفة المبنية على جهل مطبق، الترشح لأعلى منصب سياسي في الدولة العظمى. كان كل ذلك يثير القلق لديهم، لأنهم أدركوا أن بإمكان مرشح متطرف في لحظة تاريخية معينة، أن يحكم الولايات المتحدة، فيعيث في الأرض فسادا.
تذكرت تلك التجربة وأنا أتابع الحملة الانتخابية الجارية الآن بين المرشحين الجمهوريين، فقد أدركت أن طلابي هذا العام في انتظارهم «مفاجأة» مشابهة. فكما هو الحال في انتخابات سابقة، فإنك تستمع إلى مرشحي الرئاسة، فتتصور أن أميركا تعيش في كوكب آخر، وهي تعيش فيه وحدها. ومن ثم فلا مجال لأن تتأثر بدول وشعوب أخرى، ولا هي مضطرة للتفكير أصلا في كيفية التعامل معهم. والحقيقة أن الحزب الجمهوري صار يقدم مرشحين يمثلون خليطا فريدا من الجهل بالعالم والاستعلاء عليه، وهؤلاء المرشحون فخورون بجهلهم، ويصل استعلاؤهم إلى حد الإيمان بأن بلادهم تؤثر في العالم دون أن تتأثر به.
فمن الجدير بالتأمل فعلا، أن الكثيرين من السياسيين الجمهوريين تحديدا، يفخرون علنا بذلك الجهل ويعتبرونه «وطنية» وتعبيرا عن «الانشغال الكامل بهموم المواطن الأميركي». فعلى سبيل المثال، كان ديك آرمي زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس النواب في التسعينات، يفخر بأنه لا يحمل جواز سفر، ولم يسع أبدا لاستخراجه. وبوش الابن الذي كشف في حملته الانتخابية الأولى في 2000، عن جهل كبير بالسياسة الخارجية، بل وحتى بأسماء الدول والقارات، لم يكن يخجله أنه لم يسافر قبل توليه الرئاسة خارج بلاده إلا مرتين، مرة لزيارة المكسيك ومرة لزيارة إسرائيل. والجمهوريون لم يقطعوا هذا العام عادتهم في الفخر بالجهل، فقد قال المرشح الجمهوري الأسود هيرمان كين: «لو سألني أحد عن رئيس دولة أوبكي بكي بكي ستان، فسأقول له لا أعرف، ثم أسأله فورا ماعلاقة ذلك بخلق الوظائف؟».
والعبارة نفسها ذات دلالة بالغة من أكثر من زاوية، فالمرشح لا يدرك أصلا أن ما يحدث في العالم يؤثر على أحوال بلاده، بما في ذلك ما يتعلق بالبطالة. لكن الأسوأ من ذلك هو في ما في العبارة من استعلاء كشف عن نفسه في التهكم على اسم دولة أوزباكستنان.
ومنذ أن بدأت الحملة وحتى الساعة، انعقدت عدة مناظرات بين المرشحين الجمهوريين، ندر فيها الحديث عن دول العالم وعلاقة أميركا بها. فالفخر بالجهل ليس وحده القضية، إذ تدهشك تصريحات مرشحي الرئاسة المغالية في التبسيط، حين يسألون عن السياسة الخارجية. فهي تصريحات تقوم في الأغلب على التعميم، ومقطوعة الصلة تماما بالواقع المركب للعالم، وتتبنى منطق الأبيض والأسود الذي لا تعرفه العلاقات الدولية، التي تقوم على المفاوضات والحلول الوسط. فعلى سبيل المثال؛ رغم تأييد المرشحين الجمهوريين لصفقة شاليط، إلا أن الكثيرين منهم رفضوا التفاوض مع «الإرهاب». بعبارة أخرى؛ بينما يرفضون التفاوض مع حماس، فهم يؤيدون إسرائيل ويدافعون عن صفقة شاليط التي لم تعقدها إسرائيل إلا مع.. حماس!
غير أن الأكثر طرافة، هو أنك لا تجد أي موضوع خارجي على أجندة هؤلاء. فأجواء التوتر والعجز الاقتصادي الذي تعيشه أوروبا اليوم وسيؤثر حتما على أميركا، لا تجد له أثرا على الإطلاق عند أولئك الذين يفترض أن يتولى أحدهم الرئاسة الأميركية. والدول التي يتم ذكرها، هي فقط الصين لتفوقها الاقتصادي، والمكسيك لأنها مصدر للهجرة، وإسرائيل لأن ذكرها يمثل حتمية انتخابية.
ولا يقل أهمية عن كل ما تقدم، أن هؤلاء المرشحين يجهلون تأثير أقوالهم وجهلهم على مواقف دول العالم من بلادهم. فماذا يا ترى يكون شعور المكسيكيين وهم يرون مزايدة المرشحين وتأييدهم لبناء سور عازل يفصل بلادهم عن أميركا، بل ودعوة أحدهم لكهربة السور لصعق كل من يحاول الاقتراب منه؟ وماذا سيكون رد فعل الصين، التي لا تجد اسمها يذكر في أميركا إلا مقترنا بدعوات لهزيمتها؟
غير أن الأخطر من هذا وذاك، هو أن القلق الذي تملّك طلابي بشأن تولي المتطرفين حكم أميركا، هاجس تجد أصداءه في أماكن مختلفة من العالم، بما في ذلك العالم الغربي، بل وتجده أيضا بين الملايين من الأميركيين أنفسهم.