تحرير ألف أسير فلسطيني من سجون العدو الإسرائيلي هو إنجاز حقيقي لا ينبغي التقليل منه مهما كانت المبررات، ولا يصح أن يكون مجالاً للصراعات الداخلية الفلسطينية التي أضرت بالشعب الفلسطيني، ربما بأكثر مما فعل العدو الإسرائيلي نفسه في بعض الأحيان !

قد يكون صحيحاً أن الإخوة في «حماس» قد قبلوا الآن شروطاً سبق أن رفضوها..و لكن ألم يفعل الطرف الآخر نفس الشيء ويذعن لشروط لم يكن يقبل مجرد الحديث عنها؟

وقد يكون الدافع عند «حماس» لإتمام الصفقة هو الرد على خطوة الرئيس الفلسطيني «أبو مازن» بنقل القضية الفلسطينية للأمم المتحدة متحدياً أميركا وإسرائيل، وهي الخطوة التي كسب بها «أبو مازن» الكثير عند الفلسطينيين ولدى الرأي العام العربي والعالمي، ومع ذلك فما الضرر في الصفقة التي أبرمتها حماس للإفراج عن الجندي الإسرائيلي «شاليط» إذا كان الثمن هو تحرير هذا العدد من الأسرى ؟

 وإذا كان هذا هو السبيل لاستعادة ثقة قطاعات من الشعب الفلسطيني، فأهلاً به، بشرط أن يكون الهدف هو تكامل السبل وليس تقاطع الطرق، وبشرط أن يكون تنوع الاجتهادات بين الفصائل الوطنية الفلسطينية دافعاً للتكامل والتوافق وليس للصراع، وبشرط أن يدرك الجميع في النهاية ان التفاوض الذي يصل بنا إلى شيء هو التفاوض من موقع المقاومة وليس من موقع الاستسلام للأمر الواقع.

وفي هذا الإطار ينبغي علينا أن نضع معاً الخطوتين الهامتين على الصعيد الفلسطيني :العودة للشرعية الدولية من خلال طلب الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وإرغام إسرائيل على الإفراج عن ألف أسير فلسطيني في صفقة «شاليط». الجمع بين الخطوتين في مسار واحد هو المسار الصحيح، وإلا فسيخسر الفريقان الفلسطينيان المتناحران (فتح وحماس) وتخسر القضية الفلسطينية، ونخسر نحن العرب جميعاً.

إن صفقة تحرير الأسرى ما كانت لتتم بالصورة التي تمت بها لولا شعور إسرائيل بأنها في مأزق، وان العزلة الدولية عليها تتزايد يوما بعد يوم، وأن شرعيتها باتت محل تساؤل، وأنها قد أصبحت عبئاً ثقيلاً على أميركا لن تستطيع تحمله طويلاً. صحيح أن هناك عوامل أخرى هامة وضعت إسرائيل أمام القرار الصعب، فالربيع العربي يهز المنطقة حولها، وهي لا تعرف ماذا تخبئ لها الأحداث القادمة ولكنها متأكدة أن أوضاعها على كل الجبهات العربية ستكون أصعب، وأن الشارع العربي سيفرض سياسة أكثر تشدداً تجاهها. وأيضا، فإن مصر بعد الثورة لم تعد وسيطاً بل عادت شريكاً يعرف موقعه في الدفاع عن المصالح الفلسطينية ودعم موقف الطرف الفلسطيني بغض النظر عن توجهه السياسي ورؤيته لأبعاد الصراع من العدو الصهيوني.

عوامل كثيرة وضعت اسرائيل أمام القرار الصعب، ولكن ما يهمنا هنا أن هناك واقعاً عربياً يتغير، وأن هناك قراراً فلسطينياً من الطرف الذي كان نفسه وراء «أوسلو» وحصادها المرير بأن الأمر وصل لنهايته، وإن عشرين عاماً من التفاوض المبني على قواعد خاطئة تكفي، وأنه قد آن الأوان للخروج من بيت الطاعة الأميركي والعودة للشرعية الدولية وإيقاف طريق التنازلات المجانية والتفاوض من أجل التفاوض، أو من أجل كسب الوقت وفرض الأمر الواقع وزرع المستوطنات وتهويد القدس والضفة، حتى يأتي الوقت الذي لا يصبح هناك ما يتم التفاوض عليه.

ما ينبغي التوقف عنده جيداً هنا أن إعلان وفاة أوسلو وتوابعها والعودة للشرعية الدولية جاءت بعد ثمن باهظ دفعه الشعب الفلسطيني على مدار عشرين سنة من التفاوض العقيم والانقسام بين القوى الوطنية والسلطة الوهمية التي أريد لها ان تكون حارسة مجانية للاحتلال الإسرائيلي.

أيضا فإن الشعب الفلسطيني دفع ثمنا غالياً لتحرير جزء من أسراه في السجون الإسرائيلية. وليس صحيحاً ما يتم ترديده بأن ثمن جنود العدو غالٍ بدليل أن شاليط تمت مبادلته بألف أسير. هذا حديث يتجاهل جيش الشهداء الذي سقط من أبناء الشعب الفلسطيني في غزة على مدار السنوات الخمس الماضية، وحجم التدمير الهمجي الذي مارسه العدو من باب الانتقام والحصار والتجويع وكل الجرائم النازية التي لم تتوقف، والتي تحملها الشعب الفلسطيني بشجاعة أجبرت العدو على التراجع الذي كان تحرير الأسرى أحد عناوينة الرئيسية.

الشعب هو الذي دفع ثمن التفاوض وتحمل عبء النضال، وهو المطالب الآن بأن يفرض إرادته بتحقيق المصالحة الوطنية استعدادا لتحديات مرحلة صعبة قادمة. هذه المصالحة هي الأساس المطلوب للصمود أمام ضغوط هائلة تتم الآن من أجل إجهاض الخطوة الفلسطينية بالعودة للشرعية الدولية، ولمنع الاعتراف بدولة فلسطين عضواً في المنظمة الدولية، ثم لجر السلطة الفلسطينية إلى مائدة التفاوض مرة أخرى دون التزام حقيقي بالدولة وحدودها، ودون وقف الاستيطان والإقرار بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وفي مقدمتها حق العودة لوطنه المغتصب. لقد عاد بضع مئات من أسرانا في سجون العدو الإسرائيلي، وسيعود باقي الألف أسير المقرر الإفراج عنهم بعد شهرين.

 هذا إنجاز كبير ولكنه لا ينسينا ان هناك آلاف المناضلين مازالوا أسرى لم تشملهم الصفقة، وان هناك آلافا سيدخلون سجون الاحتلال لأن النضال لن يتوقف، وأن هناك وطنا بكامله مازال في الأسر وشعباً بأكمله مازال تحت احتلال نازي حقير يقف ضد التاريخ وضد الشرعية وضد الإنسانية، محتمياً بقوة السلاح وبسطوة أميركا.

الاحتفال الحقيقي بتحرير الأسرى هو في السير قدما ًعلى طريق تحقيق الوحدة الفلسطينية حتى نستطيع الاستفادة من مناخ عالمي أصبح يتفهم الحقائق، ومن ربيع عربي يعيد للشعوب العربية كلمتها التي غابت وإرادتها التي سلبت، ومن أوضاع تفرض على أوروبا وحتى على أميركا أن تتحرك قبل انفجار يطيح بمصالحها.

أمامنا فرصة هائلة لحصار العدو الإسرائيلي ولتحقيق المطالب المشروعة للشعب الفلسطيني واستعادة حقوقه التاريخية وإعلان دولته المستقلة. وأمامنا عدو لن يتراجع بسهولة، وضغوط أميركية وأوروبية، فهل يمكن أن يستمر الانقسام الفلسطيني رغم كل ذلك ؟ ومن يتحمل المسؤولية بعد ذلك؟ وهل يمكن تجاهل احتمال أن يحاول العدو قلب الطاولة على الجميع والخروج من الحصار بحرب جديدة تخلط الأوراق وتعيد البعض إلى مائدة التفاوض، والبعض الآخر إلى ملف الأسرى ؟!