ما هي القيم السائدة في المجتمعات العربية؟ سؤال ربما يكون ساذجاً أو فيه قليل من الخبث والمكر، والذي يلازم الثعالب في دنيا الحيوان، إلا أنه صفة سائدة لدى بعض البشر من الثعالب أو ربما الضباع، والتي لا تنظر إلى الخلف بقدر قدرتها القوية للنظر للأمام، دون أن تهتم لما تحت أقدامها.
لقد هبت العواصف من كل الجهات على الإنسان العربي، والذي أكدت على هامشية الاهتمام به، بل إن التراجع في تعزيز مكاسبه السابقة وتآكلها تحت الظروف البيئية القاسية هي التي تلعب به من دون رقيب أو حسيب.
بالأمس قامت الدنيا، ولم تهدأ إلا بعد ما تم الإفراج عن ذلك الأسير الإسرائيلي المدعو شاليت، وهذا الاسم قريب جداً لـ ياليت، وهو التمني لتحقيق شيء ربما يكون مستحيلاً ربما حقق العرب انتصاراً في تحقيق الإفراج عن 447 أسيراً فلسطينياً من معتقلات إسرائيل، وأولئك الذين ضحوا من أجل القضية الأولى للعرب والمسلمين وأنصارهم فيما سبق. نعم لم تعد القضية تمثل المركز الأول للاهتمام العالمي، بعد ما برزت قوى هي ضد نفسها أساسا.
ومما زاد من صعوبة الإفراج عنهم، طلبت السلطات الإسرائيلية منهم التوقيع على تعهد بنبذ الإرهاب والتوقف كلياً عن القيام بأية عملية ضد من اغتصب الوطن وأهان الإنسان العربي في فلسطين سواء من يقع في السجن الكبير أو أولئك الذين يقبعون تحت سجون الاحتلال.
إن الرفض الإسرائيلي للإفراج عن معتقلين هم رموز وطنية فلسطينية يبين مدى الصلف والعنجهية الصهيونية، وأنتم شعب الله المختار. الذي لا يمكن المساس به، أو الاقتراب منه، وفي المقابل فإن الإنسان العربي ما هو إلا حمل ثقيل على كاهل العالم.
لقد بات من الواضح أن الزلزال الذي أصاب القيم الأخلاقية والاجتماعية والسياسية في المجتمعات العربية أفرز من جديد الإنسان المقهور، سواءً من الذكور أو الإناث، فما زال الرجل ينحر فلذات كبده بمجرد الشك في أن عرضه قد مس، وفي المقابل لا تهتز له شعرة من جسمه وأرضه تغتصب يومياً بأشكال متعددة.
لقد تناسى العرب الاحتفال السنوي بيوم الأرض، وانحصرت مطالبهم في بقعة صغيرة من فلسطين، هي غزة فقط، بالرغم من أن هنالك مقاومة سلمية في أراضي 1948، وأراضي 1967، وغير ذلك من الأماكن.
إن القوى المعادية لحقوق الشعب الفلسطيني، تستخدم كل الآليات والوسائل لينسى العالم القضية الفلسطينية، حتى إن مشاريع توطينهم في بقاع مختلفة من العالم لا تزال سارية المفعول، وهو ما حدث مع عملية الإفراج عن المعتقلين. وتؤكد بعض وسائل الإعلام، إن عليهم ــ أي الفلسطينيين ــ الانتظار للثلاثمئة سنة القادمة، لحين بروز البطل الذي يحرر فلسطين.
إن البحث الجاد يتطلب العمق بمعرفة ما آلت إليه الأوضاع العربية بشكل عام، حيث أن معرفة العمومية قد يضيء الطريق أمام الخصوصيات.
لو أن الدولة العربية أعادت النظر بكل ما صدر من المؤسسات الدولية حول القضية، ولحل الصراع بين الأطراف المختلفة في الشرق الأوسط، أو بعبارة أدق الصراع العربي ــ الصهيوني (إسرائيل) لاستطاعت أن تستثمر القنوات الدولية لحل يعيد الكرامة والإنسانية للعرب.
إن السير في طريق القوانين الدولية، ومساندة بعض الدول لهذا الحق، يجب أن يكون له فرسان من نوع جديد، أولئك الفرسان ممن يتحملون أخلاقيات القيم الإنسانية العالية دون النظر إلى المكاسب الآنية، أو المحافظة على موضع أقدامهم، حتى لا يحدث الزلزال الذي يدمر الجميع دون رحمة.
لقد تناسى العالم الطفل محمد الدرة، ونسى العالم كيف كسرت عظام المؤمنين بحقهم في الأرض، وبدلاً من ذلك ركع الجميع اللهم إلا قلة قليلة ممن هم يدركون أن التاريخ يحترم الأشجار الواقفة ولا يعطي أدنى احترام أو تقدير للأشجار الساقطة.
ومن هنا جاءت دعوة الأسير الإسرائيلي شاليت بالإفراج عن المعتقلين في السجون الإسرائيلية لأنه عايش أخلاق العرب في احترام الإنسان بغض النظر عن لونه أو جنسه أو دينه. إنها دعوة نحو السلام في العالم الذي أصبح قرية صغيرة.