يبدو أن مصر بدأت السير بخطوات جادة باتجاه عودتها الميمونة للمشاركة في الشأن العربي، صغيرة وكبيرة، وقد تبدى ذلك بشكل واضح في دورها بإطلاق سراح أكثر من ألف أسير فلسطيني، فضلاً عن عشرات الأسرى المصريين، وكان هذا الدور بادياً قبل أسابيع من خلال ما سرب أن مصر ستعيد النظر باتفاقات بيع الغاز لإسرائيل، وموقفها من محاصرة السفارة الإسرائيلية في القاهرة وإصرارها على اعتذار إسرائيل عن عدوانها عن جنود مصريين في سيناء، وحصولها على هذا الاعتذار، إضافة لأمور أخرى مازالت تمارسها مؤخراً من خلال سياستها الجديدة وغير المعلنة وغير الاستعراضية من إسرائيل، مقدرة ومؤمنة بدور مصر في حاضر الشأن العربي ومستقبل التطورات العربية.

منذ أن تراجــع دور مصر العربيــة بعيد توقيع اتفاقيات كامب ديفيد أو ما سمي باتفاقيــات الســلام المصــرية الإســرائيلية، تراجع معــه الدور المصــري الفاعل، ســواء في القضــايا العربية أم فــي القضايا الإقليمية والدولية، وترك تخلي مصــر عــن دورهــا العربي والإقليمي أو على الأقــل عــدم حماســها لسياسة عربية جادة وإقليمية ضــرورية فراغاً شجع بعض الدول الإقليميــة والدوليــة على محــاولة إمــلاء هــذا الفراغ، وبقيت السياسة المصرية طوال ثلاثة عقود متفرجة على تدهور الأوضاع العربية، وضعف المواقف العربية، وتزايد مطامع الدول الإقليمية والدولية في البلــدان العربية واستسهالها التدخل في شؤونها حتى كادت هذه البلدان، أن تسقط بين يدي السياسات الإقليمية والقوى الإقليمية (الإيرانية والإسرائيلية والتركية خاصة) وتلتجيء إليها، أو القوى الدولية الأوروبية والأميركية وكاد العرب أن يصبحوا (أيتاماً على مائدة اللئام).

بعد أن كانت مصر طوال عقود هي المحرك الحقيقي للسياسة العربية والحامي الحقيقي للمصالح العربية، والقوة الحقيقية التي تتهيب منها أية دولة عندما تنــوي أو تحاول التدخل في الشأن العربي. ومن المهم هنا أن نتذكر سياسة مصر الناصرية التي جعلت من العرب قوة أساسية بين قوى العالم الإقليمية والدولية، وكانت سياسة مهابة في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، بل ولدى الدول المتقدمة الأخرى في الولايات المتحدة والاتحــاد السوفييتي والدول الأوروبيــة.

وكانت القاهــرة في الواقع واحدة من العواصم الأســاسية فــي العالم المؤثرة بفعالية في السياسة العالمية. وقد تدهور الوضع العربي والموقف العربي والقدرات العربية خلال العقــود الثــلاثة الماضية حتى كاد المراقب أن يظن بأنه لن تقوم للعرب قائمة، وصارت دول وسياسات لم يكن لها أهمية في السابق تطمح أن تساهم في تقرير المستقبل العربي، وتعلن صراحة رغباتها هذه، ولاشك أن عزوف مصر عن المساهمة فــي الشأن العربي وإدارة ظهرها للقضايا العربية، دور أساس في الوصول إلى مثل هذه النتائج.

رغم الضغوط الشديدة التي مارسها الشعب المصري على نظامه السياسي طوال العقود السابقة ورغم مطالبه وإلحاحه على عودة مصر لسياستها العربية التاريخية التقليدية، فلم يستطع إقناع سلطته السياسة بأن تقدم مصر وازدهارها وقوتها إنما يتعلق بمجالها الحيوي التاريخي والطبيعي والممثل بمحيطها العربي، سواء في آسيا أم في أفريقيا، وهذا ما كانت تمارسه السياسات المصرية منذ الفراعنة الذين ثبتوا بالقوة العسكرية وجودهم في بلاد الشام وفي ليبيا وشمال السودان وهو ما استمرت عليه السياسة الناصرية التي تبنت القضايا العربية والمصالح العربية والهموم العربية وما بين السياستين سياسة محمد علي باشا وابنه إبراهيم وغيرهما من قادة النهضة العربية السياسية والفكرية فيما بعد، وطوال القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، حتى قدوم الثورة الناصرية.

يبدو أن مصر بعــد ثورتها ترغــب جــادة فــي العــودة إلى محيطها العربي وزعامتها العربية، وإن كانت المرحــلة الانتقالية التي تمر بها الآن، لا تؤهل نظامها لإعلان ذلك كهدف رئيسي وقاعدة لسياسة جديدة، فإن هذه السياسة لا تخفي إيمانها بهذا الدور، وإن كان التعبير عنه يتم بخطى وئيدة حذرة وغير استعراضية، ولكنها خطى واضحة لا تخطئها عين المحلل السياسي، وتنبئ بقرب عودة مصر لاحتلال مركزها الذي كانت عليه تاريخياً ويجب أن تكون عليه الآن.

إن دور مصر في إطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين وهو ما سمي بالوساطة المصرية، ما كانت لتنجح لولا ثقة منظمة حماس بالنظام المصري الجديد، وأخذ السياسية الإسرائيلية الدور المصري بعين الاعتبار، وعدم الاستخفاف به كما كان عليه الحال في العقود السابقة، وهذا ما أعلن عنه الجميع، وما أظهر الفرق بين الوساطة الألمانية والدور المصري في موضوع الأسرى.

لاشك أن الشعب العربي في جميع البلدان العربية، يرحب بعودة مصر إلى مكانها الطبيعي، ويأمل أن تكون هذه العودة بداية نهضة سياسية عربية جديدة، يوجه العرب من خلالها بوصلتهم لرؤية أهدافهم الحقيقية، والاهتمام بتضامنهم، كما يأملون أن لا يطول حذر السياسة المصرية كثيراً تجاه العودة، مع ثقتهم بأن هذا الحذر وبعض التردد سينهاران مع نهاية المرحلة الانتقالية، مهما كان الحاكم المصري الجديد، لأنه دون شك، سيأخذ مصالح مصر ثم المصالح العربية بعين الاعتبار ويعطيها الأولوية.

كاتب سوري