لا نأتي بجديد، حين نقول إن أحدى أبرز الشخصيات السياسية التي فرضت نفسها بقوة على الساحة السياسية في منطقة الشرق الأوسط، هو رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، ليس للكاريزما التي يتمتع بها شخصياً فحسب، بل لما كان لبلده، تركيا، من دور مهم في صناعة تاريخ هذه المنطقة من جهة، ولما تخططه لاستعادة ذلك الدور من جهة أخرى.
تبرز أهمية تركيا بشكل خاص في الوقت الراهن، على محاور عدة، منها تصاعد دور الحركات الإسلامية في المنطقة، والحاجة للأخذ بنموذج بديل للنموذج التقليدي الذي اتسمت به هذه الحركات، ومنها تصاعد الدور الديني الإيراني، والحساسية من النموذج السياسي الذي يقدمه، ومنها التراجع الخطير في الدور العربي، حتى على مستوى مواجهة القضايا العربية نفسها.
مرت عشر سنوات تقريباً منذ صعود حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه أردوغان، إلى سدة الحكم في تركيا، وسط أجواء سياسية داخلية ملغومة ومعقدة، استطاع أردوغان بدهاء أن يبحر في عبابها، وأن ينجح إلى حد كبير في تحجيم دور خصومه السياسيين، قاطعاً الطريق عليهم بتقديم نفسه كزعيم يتفهم العناصر الأساسية في السياسة الدولية، ويتفهم كذلك ضرورات عدم المساس بطبيعة النظام السياسي العلماني، الذي اختطه مؤسس تركيا الحديثة مصطفى كمال.
فحين وصل الحزب في مارس عام 2003 إلى سدة الحكم، حرص على تقديم نفسه كحزب محافظ، يتقبل بشكل كلي النظام العلماني الذي بنيت على أسسه الدولة التركية. وقد صرح أردوغان في حينه لصحيفة أخبار اليوم التركية، نافياً الهوية الدينية للحزب بالقول: "الأفراد يعتنقون الدين لا الحزب".
والحقيقة أن الغرب الذي يعتبر تركيا جزءاً مهماً من منظومته السياسية الاستراتيجية، لم يخفِ قلقه من تداعيات وصول حزب أردوغان لسدة الحكم على مستقبل علاقاته معها، لكنه من جانب آخر لم يقف منه موقفاً سلبياً، معتبراً إياه بمثابة نمط إسلامي على غرار الأحزاب الديمقراطية المسيحية في أوربا.
أردوغان لم يكتفِ بالانتصارات التي حققها داخل تركيا، بل حرص على تسويق النموذج الناجح لحزبه إلى العالم الإسلامي، مستغلاً الأوضاع التي أفرزتها الثورات في عدد من الدول العربية. وقد أثارت دعواته إلى تبني دساتير علمانية في كل من مصر وتونس وليبيا، خلال زيارته الأخيرة لهذه البلدان، الكثير من التساؤلات، ولقيت ردود أفعال متناقضة على مستوى الداخل التركي والعربي والعالمي كذلك. فقد أعرب بعض الحركات الإسلامية التي استقبلته بحفاوة بالغة، عن خيبة أملها من دعواته.
مهد أردوغان لدعواته هذه بتصريحات أدلى بها في إسطنبول عشية سفره إلى القاهرة، مفادها: "إن الدستور التركي يُعرف العلمانية بأنها تتعامل مع أفراد الشعب على مسافة متساوية من جميع الأديان، وأن الدولة العلمانية لا تنشر اللا ديني". والحقيقة أن أردوغان يتحدث عن العلمانية بطريقة تخدم أطروحاته السياسية، ففي لقائه مع قناة «دريم» الفضائية قال: "أنا لست علمانياً، بل مسلم ورئيس وزراء لدولة علمانية"، مؤكّداً أنه "لا تعارض بين الإسلام والعلمانية بمفهومها الحديث".
لسنا هنا في جدل حول أطروحات أردوغان العلمانية، ولسنا بصدد البحث عن معنى العلمانية وهل تلفظ بفتح حرف العين أم بكسره، ولن نتحدث عن الفرق في معنى هذا المصطلح حين يرد باللغة الإنجليزية أو حين يرد باللغة الفرنسية. كما أننا لسنا بصدد البحث عن جذور العلمانية وعن منشئها، ولن نتطرق كذلك إلى المخاض الطويل الذي رافق مجيئها، ولا إلى المحاولات الحثيثة والمستمرة حتى يومنا الحاضر، للنيل منها وتشويهها وإلصاق مختلف التهم بها. بل سنكتفي بالتعامل معها بالمعنى الذي أورده أردوغان في أطروحاته، والذي تطرقنا إلى ذكر بعضه، على الرغم مما في ذلك من اختزال كبير للمعاني الثرية التي تتصف بها العلمانية في المجالات الفكرية.
في هذا السياق، لا بد أن نأخذ بنظر الاعتبار أن أردوغان في هذه الأطروحات، يتحدث كرجل دولة عليه مقاربة القضايا السياسية، بما يضمن وحدة المجتمع التركي ويحقق المصالح العليا لتركيا، وليس كرجل يعتنق ايديولوجية إسلامية.
أطروحات أردوغان حول ضرورة تبني العلمانية دستورياً، يمكن أن تحظى بتفهم وتقدير رجال الفكر ورجال الدولة الواقعيين، الأكثر اطلاعا على مكامن القوة والضعف في السياسات التي تتعامل مع مشاكل بلد مجتمعه فسيفسائي متنوع المذاهب والمشارب، باعتبارها صمام أمان يحفظ وحدة البلد ويعزز أمنه القومي، ويسمح له بالانخراط بسلاسة في المنظومة العالمية. ولكن مقابل هذا، ما هي حظوظ هذه الأطروحات في إقناع الغالبية العظمى من الناس التي دأبت على النفور من سماع مصطلح "العلمانية" بسبب ما لحقه من تشويه؟
ردود الأفعال جاءت فوراً، فقد اعتبرت دعواته من قبل عدد من الحركات الإسلامية، مخيبة للآمال وتدخلاً في الشؤون الداخلية، إلا أنه لم يبالِ بذلك وعاد لتكرارها بشجاعة في كل من تونس وليبيا. فما الذي دفعه لذلك؟ لقد كان بإمكانه الحفاظ على المكانة الرفيعة التي يتبوؤها، دون الحاجة للترويج للعلمانية في بيئة ربما غير مناسبة.
لا شك في أن هناك أسباباً قوية دفعت به إلى ذلك الإصرار، لعل أبرزها، على المستوى الخارجي، إيمانه العميق بأنه يحمل رسالة تاريخية لا تضع الإسلام في مواجهة مع بقية العالم، بل تكون معه في قافلة واحدة نحو مستقبل أفضل للبشرية. هذا إضافة إلى الوقوف متميزاً عن الموقف الإيراني، الساعي هو الآخر لاستقطاب الحركات الإسلامية، التي وجدت لها متنفساً واسعاً بعد الربيع العربي، ناحيته. أما على المستوى المحلي، وهو الأكثر أهمية بالنسبة له، فهو طمأنة للتيار العلماني القوي في تركيا، الذي لم يطرح شكوكه جانباً حول مصداقية أردوغان في التمسك بالنهج العلماني.
النخب السياسية في كل من مصر وتونس وليبيا، هي من سيكتب دساتير بلدانهم، فهل ستكون دعوات أردوغان الواقعية وتجربته الديمقراطية الناجحة، حاضرة في أذهانهم وهم يسطرون أهم الوثائق التي سترسم مستقبل بلدانهم في السنوات المقبلة؟ أم ستذهب هذه الدعوات أدراج الرياح؟ وهل ستحظى أطروحاته بفرصة لتكون محور نقاش تتداولها الأوساط الليبرالية في العالم العربي، بهدف إنضاج رؤية جديدة غير منفصلة عن التراث، لمقاربة قضايا العصر الكبرى التي تتعلق بحرية الإنسان وحقوقه، أم أن هذه الفرصة ستضيع كما أضاع عدد من الدول في العالم العربي عبر تاريخها، الفرصة تلو الفرصة حين سلمت مقدراتها لمعتنقي الإيديولوجيات المليشياوية؟
كاتب عراقي