تطلب الشعوب حقوقها ولو بعد حين، هذا ما يشير إليه التاريخ والواقع، بداية بقوى الاستعمار الأجنبية التي احتلت معظم شعوب العالم والشعوب العربية التي رزحت حيناً من الدهر تحت وطأة الظلم الاستعماري، الذي استل الكثير من خيراتها وسام أهلها صنوف القهر، فيما اصطلح على تسميته بالاستعمار القديم بغرض الأطماع ليس إلا، وصولا إلى هذا الزمان وثورات الربيع العربي، والرغبة في استرداد الحقوق والحرية، ووضع الأمور في نصابها الإنساني الصحيح، لتفرض على المستعمرين حقوقاً أبسطها الحقوق الأدبية، ولو كانت اعتذاراً أخلاقياً يعيد لها الاعتبار ويمحو بقايا الألم، وهو حق طبيعي تفرضه طبائع البشر، ولا يتعارض مع التسامح ما دام اعتذار المستعمرين لمن وقع عليهم الاستعمار يوماً هو باب للتسامح.

بعد 130 عاماً من الاحتلال الفرنسي للجزائر، غادر المحتل بلد المليون شهيد وبقي ألم الاحتلال، ليطالب الشعب الجزائري اليوم فرنسا بتقديم "اعتذارات" للجزائر على جرائم حقبة الاستعمار. فقبل أيام دعا الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني (الحزب الحاكم في الجزائر) عبد العزيز بلخادم، فرنسا إلى تقديم "اعتذارات" للجزائر عن جرائم الاستعمار، والاعتراف بكل ما ترتب عليها من معاناة للشعب الجزائري حتى يومنا هذا، وذكر أن الاستعمار لم يتسبب في جرائم المنافي والمجازر والحرمان فحسب، بل شملت جرائمه محاولات طمس مكونات الهوية الوطنية للشعب الجزائري.. مطالبة تكررت في كثير من البلدان التي وقعت يوماً ما تحت نير الاحتلال، في نوع من المراجعات الإنسانية بمطالبة الأحفاد بالتعويض عما جناه أجدادهم، وإعادة الحقوق الاعتبارية لشعوب تغلغلت في ذاكرتها آلام الاضطهاد من شعوب أخرى.

وربما يرى البعض في مثل هذه المطالب ضرباً من الخيال السياسي الجانح، ولوناً من ألوان ذر الرماد في العيون لإبعاد النظر إلى قضايا تاريخية بدلا من حل المشكلات الراهنة. وإن كان في هذا جانب كبير من الصواب إذا كان في هذا السياق فقط، إلا أن العمل للواقع والسعي لتجاوز مشكلاته، لا يعني أبداً التنازل عن الحقوق التاريخية مهما تقادمت أو طال عليها الزمن، فأسرار الشعوب عظيمة وآلامها عميقة، وحقوقها أصيلة ومطالبها ثابتة فوق كل أنواع المساس بها، أو تجاهل الآخرين لها. ومهما حاولنا الابتعاد عن واقعنا، فلن نستطيع تجاهل ألم في خاصرة الشعوب، أحدثته هذه المرة قبضات الاستبداد المحكمة المستمرة، التي غيبت الشعوب عن المشاهد الإنسانية ـ ولا نقول السياسية ـ حقباً طويلة، وجعلت منها ما يشبه المزارع المدجنة حتى لا يقوى أحد على القول: إن لي حقاً أو إنني إنسان حر!

وإذا كانت الثورات الشعبية احتجاجا على وضع راكد مختل في نظرها، تحاول أن تستبدله بما تراه الأفضل لها ولمستقبلها وتدفع في سبيله الأثمان من الأموال والأنفس، فبعد انقشاع غبار التغيير تقف الشعوب غالباً أمام محطة المراجعات، فتحصد الثمار وتنقي الأشواك. هذا إذا كانت لا تزال تملك حق جني الثمار، ولم تقع فريسة المحتكرين الجدد لمصائر الشعوب وثمرات نضالها!. وهذا التخوف لا بد من وضعه في الحسبان، إذا عرفت الشعوب الطريق إلى النور الذي غابت عنه سنين، وحتى لا يأتي اليوم الذي تأسف فيه على كل قطرة دم سالت من أجل التغيير.

ولا شك أننا نؤمن كل الإيمان بأن أفضل الطرق إلى التغيير، هو ما كان على مائدة الحوار الذي يعترف بالجميع ولا يقصي الإنسان مهما كان توجهه، إلا أن هذه المائدة تزول من أمام الجميع حين تغرز في النفوس أزمة الثقة!. نعم الثقة، فاليوم وبعد ثورات الربيع العربي ونجاح بعضها، يشير واقعنا والتاريخ الجديد إلى مشكلة جديدة ربما تكون هي أصل الخلل، وهي أزمة الثقة بين بعض الشعوب وبعض أصحاب القرار، والتي لن تنفع معها المسارعة إلى رأب صدعها بعد غليان المرجل الشعبي، ولكنها تُبنى لبنة إثر لبنة، وتزرع بيد الحكومات والقادة في واقع الشعوب نبتة غضة يافعة، وتسقى بماء الحرص والمتابعة والاقتراب من هموم الناس اليومية، وتزيد مناعتها الذاتية بالشفافية حتى لا تسمح لأية آفة من الآفات تحملها الرياح من هنا أوهناك، بأن تخترق جدارها وتهدد تماسكها.

وشجرة الثقة هذه بين القادة والشعوب، هي سر استقرار المجتمع، فإذا يبست وماتت فلن تنفع معها كل أشجار الزينة في العالم، والتي يؤتى بها على عجل في اللحظات الحرجة، وتصنع من أوهام الثقة موائد للحوار، لأنها جامدة جافة لا تثمر ولا تسمن.

والشعوب بذاكرتها الجمعية الممتدة المتأصلة، لا تنسى حقوقها وتتوارث آلامها وتترك للمستقبل فرصة إنضاج أحلامها، وتعلم يقيناً أن أيام التغيير لا بد آتية مهما طال ظلام الليل، فجروح الحقوق لا تندمل ما دامت الشعوب حية.