بادرت القيادة الرشيدة، في خطوة استباقية تزامنت مع بداية العام الدراسي الجديد، بإطلاق أجندة وطنية لتطوير التعليم، وهي بمحاورها الخمسة وأهدافها العشرة وكثافتها المعرفية، ترقى إلى مستوى الاستراتيجية، ذلك أن مداها الزمني يمتد إلى عام 2020، والأهم من ذلك ربطها بقضايا التنمية البشرية، مما يجعلها من منطلق علمي واستراتيجي، عملاً مكتملاً ومتكاملاً.
القارئ بتمعن لهذه الأجندة، لا تفوته ملاحظة أنها نتاج جهود مكثفة لرهط من الجنود المجهولين، الذين عكفوا على مراجعة المسيرة التربوية والتعليمية في الدولة، حتى خلصوا لهذه الأجندة، التي نحاول تسليط الضوء على محاورها وأهدافها التي أجازها مجلس الوزراء مؤخراً.
اشتملت الأجندة على محاور خمسة جاءت كالتالى:
1. محور تطوير التحصيل العلمي للطلاب.
2. تطوير البيئة المدرسية.
3. تكافؤ الفرص التعليمية بين جميع الطلاب.
4. تعزيز الحس الوطني لدى الطلاب.
5. زيادة الكفاءة والفعالية الإدارية للوزارة.
وحتى تتسق هذه الأهداف الخمسة، تم ربطها عضوياً بعشرة أهداف، ومجموعة من المبادرات، وخططها المعلنة، بمعنى أن ترتبط المبادرات بالخطط التطبيقية لتنفيذها سوياً مع أهداف الأجندة، أي أن الأجندة تتضمن محوراً تنبثق عنه أهداف، تم ربطها بمبادرات وخطط تنفيذية لكل مبادرة، تعمل لسد الفجوة بين التعليم الرسمي (الحكومي) وبين التعليم الخاص.
وبالنسبة للمبادرات، هنالك أيضاً مطالبة بإعادة هيكلة التعليم، وتحسين المجالات المهنية، وتطوير أنظمة التقنية في المدارس والمناطق التعليمية. ولم يغب على بال واضعي الأجندة الانتباه إلى اعتماد مشروع تراخيص الهيئات والمؤسسات التربوية والتعليمية على مستوى الدولة.
والتي يقدر عددها بنحو 1190 مدرسة، منها 61% حكومية والبقية تخضع للقطاع الخاص. وتضاف إلى ذلك مبادرة توفير متطلبات الإرشاد التربوي للطلاب، حتى يحسنوا اختيار مساراتهم التربوية والتعليمية مستقبلاً، سواء في المساقات العلمية أو الأدبية.
واتسمت أجندة تطوير التعليم بكثافة القضايا التي تم طرحها، مثل المنهاج الدراسية، وكفاءة هيئات التدريس، وأسس تقييم أداء الطلاب والأساتذة، وسبل تمكين الهوية الوطنية، والبناء المعماري، وحافلات نقل الطلاب التي وجدت اهتماماً كبيراً، حيث تم التداول بشأن إجراءات السلامة، خصوصاً عند صعود ونزول الطلاب، مع ضرورة الانتباه لأعمارهم، ومخارج الطوارئ، وكذلك تم التعرض لنظم التغذية المتبعة في المدارس الحكومية والخاصة.
لقد أتيحت لي فرصة الاطلاع على الأجندة سلفاً، عبر تصفحي المعتاد لموقع رئيس مجلس الوزراء، ويبدو أن وضعها على الموقع قصدت منه إتاحة الفرصة لمعرفة آراء المواطنين بشأنها، وهو ما حدث بالفعل، إذ تبين أن نحو27 ألف فرد مروا على موقع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وهي بادرة جديرة بالاهتمام والكثير من التقدير.
سبقت الإشارة إلى أن الجديد الذي جاءت به أجندة تطوير التعليم، هو أنها أحكمت الربط بين مدخلات التعليم ومخرجاته، بحيث أصبحت قضايا التعليم مرتبطة بمسألة التوطين، والقضاء على بطالة الشباب، وهي من المهام التي تقع على عاتق هيئة تنمية وتوظيف الموارد البشرية المواطنة، والمضمنة في استراتيجيتها الجديدة للأعوام 2011/2013.
وقد بات واضحاً أن الحكومة إنما أرادت تفعيل دور الهيئة للتعامل مع قضايا التوطين برؤية جديدة، حتى تتاح كافة الفرص أمام المواطنين، وخصوصاً الشباب، لدخول سوق العمل بكفاءة واقتدار.
ما تهمنا الإشارة إليه كنا فد تناولناه في مقال سابق، حول موقع دولة الإمارات العربية المتحدة في تقرير التنمية البشرية الأخير، والصادر عن البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، والذي احتلت فيه النرويج المرتبة الأولى، وجاء ترتيب الإمارات الـ33.
وبقراءة تحليلية تبين أن تخلفنا عن دول المقدمة سببه تردي خدمات التعليم والصحة، ويكفي القول ان الإنفاق على التعليم حتى عام 2006، كان 1.13% من الناتج المحلي الإجمالي، حسب ما جاء في تقرير مؤشرات التنمية البشرية الصادر عن وزارة الاقتصاد، وهذه نسبة تقل كثيراً عن ما تنفقه على التعليم كل من سنغافورة وماليزيا، بل وجنوب إفريقيا.
لقد استبشرالجميع بموافقة مجلس الوزراء على اعتماد أجندة تطوير التعليم، والذي ظل لسنوات طويلة يراوح ذات المكان، ونأمل أن تمضي المسيرة على ذات المنوال، لإطلاق أجندة الصحة، وأجندة الخدمات الاجتماعية. وبالأمس القريب تم قبول3727 طالباً وطالبة، للانتظام في الدراسة في كافة التخصصات الجامعية لعام 2011/2012.
ومع أن جامعة الإمارات تحتل المرتبة التاسعة بين الدول الإسلامية، والمرتبة 372 من بين 500 جامعة عالمية، إلا ان طموحات إدارة الجامعة تسعى لدخول نادي الأوائل، كما أعلن معالي وزير التعليم العالي والبحث العلمي مؤخراً، وهو طموح يتطلب إعادة هيكلة، ليس لجامعة الإمارات باعتبارها الجامعة الأولى للدولة، ولكن ليشمل أيضاً الجامعات الخاصة التي تزايدت أعدادها في السنوات الخمس الأخيرة.
بقي أن أضيف أن المفاهيم المعاصرة للتنمية المستدامة، أصبحت تتبنى المنظور الشمولي للاستدامة الذي يهدف إلى توسيع الخيارات أمام الناس، كل الناس، والأهم من ذلك ضرورة تبني وتفعيل مفهوم الشراكات الاستراتيجية مع كافة الجهات ذات العلاقة، بالرؤية والرسالة والقيم والأهداف التي نعمل جميعاً على تحقيقها، بما في ذلك القطاع الخاص الذي دخل بقوة للاستثمار في قطاع التعليم.
ويشهد على ذلك ما أشارت له الإحصاءات المنشورة، ومن ثم تضاعف الدور الرقابي والاشرافي لوزارة التعليم العالي، في وضع المعايير التي تضبط عمل وأداء الجامعات الأجنبية، وأهمية التأكد من أن مناهجها ومفردات مساقات المواد التي تدرس لطلابنا موثوق بها، وتتوافق مع المسار الاستراتيجي الذي رسمه قطاع التعليم العالي في الوزارة.
إن قضايا التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية والبيئية، يجب أن تتصدر سلم أولوياتنا في خطة الدولة لعام 2012، بعد أن تكون بلادنا قد أكملت بالتمام والكمال أربعين عاماً من الإنجازات الهائلة، والتي لم تحققها أي دولة في المنطقة، والفضل يرجع للمولى عز وجل، وللقيادة الرشيدة، والمخلصين من أبناء وبنات هذا الوطن المعطاء.